زاوية غائمة .. جعفر عباس .. التصحيح والتصحيف

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

18042016

مُساهمة 

زاوية غائمة .. جعفر عباس .. التصحيح والتصحيف




زاوية غائمة
جعفر عباس
التصحيح والتصحيف
ــــــــــــــــــــــــ

عرضت العديد من القنوات الفضائية المصرية في نوفمبر الماضي شريطا مصورا أعدته وزارة الداخلية المصرية لطوابير من الجنود والمركبات، وفي واجهة حاملة جنود أنيقة تصدرت الموكب، كانت هناك لافتة طويلة وعريضة من القماش وقد كُتب عليها بخط جميل »نحن فداكي يا مصر«.. »فداكي«!! وهكذا نالت الكسرة ترقية، وصارت حرفا ذا شخصية اعتبارية هو الياء.
مصر التي، ما من دولة عربية، إلا واستعانت بشبابها وشيوخها لتدريس العربية، فدرس على أيديهم مئات الآلاف، الذين تولى بعضهم تدريس اللغة »على أصولها« لشباب بلدانهم، صرت تسمع فيها »نحنو شَبابكي فداكي«.
صديقي الدكتور عبدالسلام البسيوني، فلاح مصري فصيح، وداعية إسلامي، يتهمه الليبراليون بأنه »ظلامي«، ويتهمه المتشددون الإسلاميون بأنه ليبرالي، وأذكر أنني سألته ذات مرة: الموسيقى حلال أم حرام؟ فكان رده: مش حرام بس ما تقولش لحد إني قلت كدا )وهأنذا ما قلتش لحد إنه قال كدا(.
آخر كتاب صدر للبسيوني، يتناول فيه تجربته كمصحح لغوي في عالم الصحافة، وكعادته يعرج على هذه المطبوعة أو تلك، لعرض سوءاتها اللغوية، ونبش الأخطاء الشائعة، من قبيل »من ثُم« بضم الثاء و»توفى« بفتح التاء وبألف مقصورة في آخرها، بما يوحي بأن الميت فارق الدنيا بقرار شخصي، و»هَرعت - بفتح الهاء - سيارات الاسعاف«، وكأن تلك المراكب الخرساء، تتمتع بحس إنساني، وتهرع من تلقاء أنفسها إلى حيث من هم بحاجة إلى »إسعاف«.
ومن خلال التفاعل مع من يتابعوني على صفحتي في فيسبوك، أدركت إلى أي مدى جنت أنظمتنا التعليمية على جيل كامل، وعلى اللغة العربية، فتجد من يقول وهو يكتب بالفصحى – أو يحسب ذلك: استقريت )وليس استقررت(، واضطريت )وليس اضطررت(، وإنشاء الله )إن شاء الله(، و»الله ما« )اللهم(.
ومن الأمثلة التي أوردها البسيوني في كتابه، والتي يلحظها كل ذي حس لغوي شبه سليم، في ما تعج به الصحف ومنتديات الإنترنت: »لِما فعلت ذلك«، بدلا من »لِم«، و»السلامو عليكم«، و»أنتي تركت كتابكي في السيارة«، و»فرائظ الوظوء«.
وما من كاتب صحفي جاد ومسؤول، إلا وضايقه تدخل المصحح اللغوي في ما يكتب، حتى لو كان التدخل مبررا، لأنه يُذكِّر الكاتب أن ما حدث كان بسبب »نقص القادرين على التمام«، بينما اكتسب البعض مسمى كاتب، ولحم أكتافهم من خير المصححين اللغويين، أي أنهم يكتبون فسيخا، ليحوله المصحح إلى شربات، وهذه الفئة من الكتاب كل همها أن تقرأ اسمها مكتوبا قرين مقال، حتى وهي تدرك أن حصتها الحقيقية من المقال دون ال60% بكثير أو قليل.
عندما كنت أكتب في مجلة »المجلة« في حقبتها اللندنية، كان فيها مصحح عراقي، يتحسس من المفردات العامية في المقالات، حتى ولو كان وجودها ضروريا للسياق العام للمقال، وذات مرة أوردت اسم مسرحية عادل إمام المشهورة »شاهد ما شافش حاجة« فما كان منه إلا أن جعلها »شاهد لم ير شيئا«.
ويتم إلحاق الأذى الجسيم باللغة في الصحف، بتكليف مصحح واحد بمهمة مراجعة وضبط »بلاوي« المحررين والكتاب والمراسلين، وتصريحات المسؤولين الحكوميين من ذوي الاحتياجات اللغوية الخاصة، فلا ينتبه المصحح المسكين إلى بعض الأخطاء الجسيمة بسبب ضغط العمل، ولا إلى البلاوي التي في الإعلانات، ومن ثم قرأنا كيف أن )أكبر دار للنشر( أصبحت )أكبر دار للشر( و)أوسع المجلات العربية انتشارا( أصبحت: )أوسخ المجلات العربية(، و)حقوق الطبع محفوظة لورثة المؤلف( أصبحت )حقوق الطبع محفوظة لورشة المؤلف(.
وفي السودان جعلنا »البغاء للأصلح«، نكاية بداروين، ولا تسلني كيف يلتقي الصلاح مع البغاء، ولكننا شعب لديه عداء مع القاف والغين، فيجعل هذه محل تلك

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى