زاوية غائمة - جعفر عباس - الهيافة ليست وقفا على هيفاء

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

05092016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - الهيافة ليست وقفا على هيفاء





في السودان يوصف الشاب أو الشابة بالتشنكح، ويقال: فلان متشنكح أو شنكوح، عندما يكون شديد الاهتمام بمظهره لدرجة أنه يكاد يقول لك: توقف وانظر إلى هيئتي وهندامي، والتشنكح يقترن عادة ببعض الميوعة والدلال السلوكي، ولكنه قد يتجلى أيضا في استخدام المفردات وطريقة الكلام »أففف سلوك بلدي.. إخخخ من الأكلات الشعبية.. ما اشربش الشاي اشرب كازوزة أنا«.
زرت عشرات المرات بلادا لا يعتبر فيها السفور حتى حد نصف التعري فجوراً وخروجاً على التقاليد، ولكن ما يلفت نظري ونظر غيري ممن يزورون الدول الأوروبية هو أنك تلتقي عشرات الآلاف من النساء في الشوارع ولا ترى في وجوه إلا قليلة منهن أثراً للمكياج، والأحمر والأصفر يعلو وجوه البنات في بلداننا، فحتى عند الذهاب إلى بيت »العمة« الذي لا يبعد عن بيوتهن سوى نحو ثلاثين مترا فإن الكثير من الفتيات عندنا يحرصن على التسلح بكامل زينتهن، وتجد الأم تتفقد بنتها الخارجة من البيت من فوق إلى تحت للتأكد من أنها لبست سوار الذهب الجديد، والحذاء الذي اشترته قبل شهرين بمناسبة زواج فطومة. وتجد واحدة تمضي ساعتين عند الصباح وهي تعمل كط آند بيست في وجهها، وتقف لنص ساعة حائرة أمام خزينة ملابسها، فتسألها ما إذا كانت هناك مناسبة اجتماعية صباحية، فترد قائلة إن لديها موعدا مع الطبيب، وإذا استنكرت أن تتهندم وتتأنق لـ»الطبيب«، صاحت في استنكار إنها لا يمكن أن تذهب مبهدلة إلى أي مكان يمكن ان تلاقي فيه بعض معارفها »خوفا من شماتة أبله ظاظا«، والسبب في ذلك أننا نعتبر أنفسنا في حالة سباق أو مسابقة مع العائلات الأخرى: يجب أن نثبت لهم أننا لسنا أقل منهم في اللبس والزينة والأثاث. وماذا سيقول الناس عنا إذا لم نجدد الأثاث والمفارش بمناسبة قدوم المولود الجديد؟ لا يهم أن المولود سيحل في الدنيا مثقلا بنصيب من ديون والديه، بل المهم أن يراه الناس في سرير »أبهة« وحوله الخز والمخمل والحرير. ولو وجدت بعض العائلات بامبرز مطرزا بخيوط من الذهب لما ترددن في شرائه ليتسنى لهم القول للخادمات: خذي قطع البامبرز الأربعة المستعملة واعطيها للجيران. مساكين فقراء مازالوا يستخدمون البامبرز المحشو بالقطن والورق المضغوط. وإذا سافر عيال عيسى إلى دبي فإن زوجة موسى تصر على أن تسافر وعيالها إلى سوريا ولو إلى منطقة تسيطر عليها داعش. وإذا سافرت أسرة هاشم إلى قبرص فلا بد أن تسافر عائلة أبو ابراهيم إلى جزيرة أفخم هاواي مثلا. أما إذا كانت وجهة أبو سامر هي السويد، فإن أبو صجمة يجد نفسه ملزماً بالسفر مع عياله إلى القطب الشمالي. وإذا كان رشيد نجل عمو خضر متفوقاً فإن زوجة أخيه تزعم أن ولدها رسب في خمس مواد لأن المدرس »مضاديه« أي يضمر له عداوة وتقول لها أن الولد رسب في الكيمياء والجغرافيا والرياضيات واللغة الانجليزية والعلوم الدينية، ولكل منها مدرس منفصل فتقول لك أن مرشد/ مربي الصف الذي يدرس فيه ولدها هو الذي يخصم منه الدرجات في مختلف المواد، ثم تضيف أن رشيد تفوق لأن أباه »صاحب مدير المدرسة«.
نحن لا نفكر في علاج النواقص في أنفسنا وعيالنا بل نمكيجها بالمساحيق الاجتماعية وهذا كأن تعالج السرطان بالبندول. جوانب كثيرة في حياتنا محكومة بقوانين التباهي والحط من قدر الآخرين بالمقاييس المادية، ومن ثم تجد عندنا من يعايرك بفقرك أو محدودية دخلك.
ذات مرة أوقفت سيارتي في مكان ظليل في مستشفى فجاءني شاب منفوش كان يريد أن يسبقني إلى ذلك المكان، وقال لي: أوقف سيارتك المبهدلة هذه في مكان مكشوف ما يصير لها شيء، فقلت له سيارتي مبهدلة ولكنني محترم، وسيارتك محترمة وأنت جلف قليل التهذيب.

____________
اضغط اعجبني واحصل علي الاخبار بسرعة وبسهولة دون جهد

.
سبحان الله و بحمده عدد خلقه و رضا نفسه و زنه عرشه و مداد كلماته(3 مرات)

حمزه عوض


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى