زاوية غائمة - جعفر عباس - صلالة حيث الجمال يتجلى )2(

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

05102016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - صلالة حيث الجمال يتجلى )2(




زرت صلالة للمرة الأولى في نوفمبر من العام الماضي، لتشييع جثمان شقيقتي التي توفيت هناك، وسردت في مقالي أمس وقائع وأحداث جعلتني أكتشف أن الإنسان العماني »غير«، بمعنى التميز بخصال نبيلة وجميلة، فقررت زيارة صلالة مرة أخرى، ليس كسائح »تقليدي« ولكن كشخص يحس بأن هناك روابط بينه وبين العمانيين، وبأن العمانيين هم من عزز تلك الروابط بكريم الخصال وطيب الفعال.
ويا سبحان الله، يعجبك جميل خصال شعب عمان وتذهب إلى صلالة في الخريف فتكتشف أن ذلك الجمال مكمل لجمال الأشياء في عموم محافظة ظفار، التي تمثل صلالة حاضرتها، وتحل بصلالة فلا تصدق أنك في جزء أصيل من جزيرة العرب والخليج العربي، فهذه منطقة قال فيها الرحمن للأشياء كوني فكانت سهولا وجبالا، ووديانا وتلالا، وينابيع ترشح ماء زلالا، وغيوما وظلالا، وبحرا هادئا فيه الموج يتلألأ، وتحين ساعة مغادرتها فيقول قلبك »لا، لا«.
تجوس في وديانها وتمتطي صهوة صخور جبالها، فتعجب كيف يجتمع مناخ استوائي كما توحي به الأشجار والنباتات الكثيفة، مع درجة حرارة شديدة الاعتدال. هذه صلالة التي أنستني أنني مصاب بالتواء في رسغ يدي اليمنى، فنسيت »عمدا« أمر مقالي اليومي هنا، ولست بأفضل من عبدالرحمن بن عمار الذي اشتهر باسم »القس« وكان زاهدا متعبدا، ثم وقع في غرام جارية في المدينة قال فيها شعرا كثيرا، فوجد شاعر ماجن في الواقعة –التي لا أجزم بصدقيتها– ذريعة لإباحة الهوى والتصريح بالوقوع في الحب: الآن فليعلن من شاء تهيامه / قد وقع القس في حب سلامة / لم يحمِه الحبَ / صيامه الدائم / وخوفه الربَ/ وليله القائم/ أين عباداتك / يا ابن أبي عمار / أضحت صباباتك/ أحدوثة السمار ليست غايتي هنا الترويج للسياحة في صلالة، فتضاريسها ومناخها وجغرافيتها وتاريخها تقوم بالمهمة على خير وجه، بل لفت الانتباه إلى أن في دولنا العربية مناطق ومرافق سياحية تضاهي ما هو موجود في أوروبا أو شرق آسيا، لمن يعشق جمال الطبيعة في أبهى تجلياته، ولكن ما أن تدخل هذا البلد العربي أو ذاك سائحا، عبر مطار أو ميناء بري أو بحري، حتى يعطيك جماعة الجمارك والجوازات الانطباع بأنك شخص طفيلي أو أبله، لأنهم يتفننون في »شرشحتك وبهدلتك«؛ إما لأنهم فوق المساءلة، أو ليرغموك على تقديم رشوة، ولا عجب فنحن قوم نسمي الرشوة »إكرامية«، وشتان ما بين الحرام والإكرام.
كنت ذات عام مسافرا مع عائلتي وكان علينا التوقف لوقت قصير في مطار عاصمة دولة عربية يفترض أنها »سياحية«، وخلال عبورنا إلى صالة الترانزيت كان علينا وضع أمتعتنا اليدوية على جهاز الأشعة، فإذا بالموظف المختص يفتح حقيبة صغيرة كان ولدي الصغير يحمل فيها جهاز التسجيل المسمى »ووكمان«، الذي مات في عز شبابه بعد ظهور الآيبود أبو تفاحة، وكان في الحقيبة أيضا ست بطاريات جافة احتياطية، فأمسك الموظف بالبطاريات، وقال: إن عددها »كثير«، فقلت له: إنه حتى لو كان ما يقوله صحيحا فهذا أمر لا يخصه لأننا مسافرون عابرون. وانتهى الأمر بأن صادر إصبعين من البطاريات!
عاهدت نفسي منذ أكثر من عشرين سنة على عدم زيارة أي بلد عربي إلا مكرها، أي في مهمة رسمية أو لقضاء أمر ضروري، بعد أن تعرضت في مطارات عدد منها لمعاملات في غاية السوء: عسكري الجوازات الذي تقف أمامه يجري مكالمة هاتفية يناقش فيها نتيجة مباراة في كرة القدم، ثم يتسلم جواز سفرك ولا ينظر إليه ولا إليك، وإذا كنت محترف تسفار فعليك بالصمت »الرهيب«، لأن صاحب السعادة يستدرجك للتحرش به، لتعطيه ذريعة كي يشبع ميوله السادية، أو لإصدار فتوى فورية بعدم صلاحية أوراقك الرسمية )هذه معضلة قد تبدو عصية على الحل ولكن بضع وريقات نقدية تعيد لتلك الأوراق صلاحيتها(.
ولنا عودة إلى صلالة إن شاء المولى.



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى