تابعونا عبر فيس بوك

قوقل ‏+‏ ‏
Use the English Language

زاوية غائمة - جعفر عباس - صلالة حيث الجمال يتجلى )3(

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

06102016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - صلالة حيث الجمال يتجلى )3(





كتبت على مدى يومين متتاليين على نحو عابر عن مآثر صلالة وإقليم ظفار في سلطنة عمان، وكيف أنني صرت قتيل هواها وتضاريسها وعليل نسيمها، وقلت إن ما لفت انتباهي في زيارتي الأولى لها هو »إنسانها« الذي يضاهي جميل خصاله جمال الطبيعة البكر في أوديتها وجبالها، وهكذا وعن تجربة ومعايشة فإنني أقول إن الإنسان العماني عموما من أكثر خلق الله تهذيبا ولطفا وشهامة، تنزل في مطاراتها فلا تجد سوى الابتسام والتحية من مسؤولي الجوازات والجمارك، وكسائح عليك أن تستقل سيارات الأجرة، ولكن وعلى مسؤوليتي فإنك لن تتعرض لـ»الاستغلال«، والاستهبال من قبل سائقيها، وما من سيارة أجرة ركبتها في صلالة إلا ووجدت سائقها يقوم بدور الدليل السياحي ويحدثك عن المواقع التي يتعين عليك زيارتها باعتزاز وحب شديدين.
ففي البلدان العربية الأخرى التي تحاول جذب السياح ولديها من المرافق ما يستحق المشاهدة، فعلى السائح أن يكون »مصحصح ومفتح ومكحل بالشطة«، لأنه يعرف أنه سيتعرض للاستهبال حيثما سار، والمشوار بالتاكسي الذي لا ينبغي أن تدفع نظيره أكثر مما يعادل ثلاثة دولارات، يتحول عندك كسائح إلى مشوار تجد نفسك مطالبا بدفع ثلاثين دولارا نظيره، بينما في صلالة – والتاكسيات فيها بلا عدادات – هناك تعرفة عُرفية لسيارات الأجرة ولن تكون بك حاجة الى المفاصلة للحصول على ما تحسبه تعرفة معقولة، وعلى مسؤوليتي أقول لك إن سائقي التاكسي العمانيون لا يتعاملون مع السائح كزبون بل كضيف، يستحق الاحترام فلا يشتطون في طلب أجرة التوصيل بل يقترحون عليك مختلف الوسائل للحد من الإنفاق.
وأجمل ما في صلالة التي ترتدي من الندى غلالة تكشف مفاتنها، أن تحديث المرافق السياحية فيها تم بالتصالح مع الطبيعة، فالشوارع حسنة السفلتة، تعلو وتهبط وتتثنى في غنج، في انسجام مع التضاريس )الكنتور( الطبيعية، وينابيع المياه تتدفق كما كانت تفعل منذ آلاف السنين في مجاريها الطبيعية، وكي لا تضيع هباء شيد الأسلاف الأفلاج لتصب في خزانات تروي الناس والزرع والضرع، وقام الأحفاد بصيانة الأفلاج وتحديثها على نفس النسق القديم، وكلما صعدت جبلا رأيت الينابيع تتخذ لها مجرى بين الصخور ويأتيك صوت الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم: صخرة أخرى على المجرى/ ولكن المنابع/ تلهم التيار مجرى آخر نحو مصبه/ صخرة أخرى على المجرى ولكن المنابع/ أبداً تهدر في كل عروق الأرض / تمتد وترتد/ وتعلو وتدافع.
صلالة عروس من البحر والصخر والزهر عليها قلائد من جُمانِ، عشت في حضنها الحنون مع عائلتي ثمانية أيام بلياليها مسحورا منبهرا، وما زلت أذكر وقفتي على قمة جبل سمحان متأملا عظمة الواهب المنّان، وكأني بالأشجار والأحجار تتساءل »فبأي آلاء ربكما تكذبان«، ثم شققت الطريق عبر واد ينضح عافية وبهاء، متجها الى مدينة مرباط، وعلي الجارم يهمس: يا نسمة رنّحَت أعطاف وادينا/ قفي نحييك أو عوجي فحيينا/ مرَّتْ مع الصبح نَشْوَى في تكسُّرها/ كأنَّما سُقِيتْ من كفِّ ساقينا/ أرختْ غدائرَها أخلاطَ نافِجةٍ/ وأرسلتْ ذيلها وردا ونِسْرينا/ كأنّها روضةٌ في الأفقِ سابحةٌ/ تمجُّ أنفاسُ مَسْراها الرياحينا.
وكلما تغلغل الهواء العليل في مسام جسمي، جاء إبليس ليذكرني: أيام وتعدي، وتعود إلى بقعة أخرى في منطقة الخليج التي لابد دون دنانيرها وريالاتها ودراهمها من لسع الحر، فأقول لإبليس وهل لي سوى الساعة التي أنا فيها؟ وأتعمد إغاظته فأنزل من السيارة، وأسير في ثنايا واد يتعطر برائحة أشجار اللبان والزهر مختلف الألوان، وهي تستحم بماء عذب، بعضه يتدفق من ثنايا الصخر والبعض الآخر ينثال ناعما من السماء، ويتناهى الى أذني غناء ولادة بنت المستكفي: وقانا لفحة الرمضاء واد/ سقاه مضاعف الغيث العميم/ نزلنا دوحه فحنا علينا/ حنو المرضعات على الفطيم/ وأرشفنا على ظمأ زلالاً/ ألذ من المدامة للنديم.



ـــــــــــــــــــــــ


.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى