زاوية غائمة - جعفر عباس - للعزاء والمواساة أصول

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

06112016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - للعزاء والمواساة أصول





عدت للتو من بيت عزاء. فقد توفي شقيق صديق عزيز. وكان الراحل بمثابة الأب لصديقي حيث تكفل بتربيته وتعليمه بعد وفاة والدهما. وفور سماع الخبر توجهنا إلى بيت الصديق نحن أصدقاؤه المقربون وأقاربه من الدرجة الأولى المقيمون في دولة قطر. وكان الجو مفعماً بالحزن والغم. لأننا كنا ندرك مكانة الفقيد في قلب صديقنا. وطوال نحو ساعتين لم يفتح الله على معظمنا بأكثر من العبارات المتعارف عليها في مثل هذه المناسبات.
ومع حلول المساء كان نحو مائتي شخص يجلسون في بيت الصديق المكلوم، ومن جميل الخصال السودانية أن أهل السودان يقفون مع بعضهم البعض في المرض والموت، ويا ويلك وظلام ليلك لو شاء حظك العاثر أن تتقاسم غرفة مستشفى مع مريض سوداني. فزواره لا يتقيدون بالمواعيد المحددة للزيارة وفي ساعات الذروة أي في الأمسيات يستقبل المريض السوداني ما بين 77 و234 زائرا! وهناك سوداني يدعى هاشم الادريسي إذا ظهر اسمه في صفحة الرسائل أو واتساب في هاتفي أصيح: الله يستر، بل قد أشرع في ارتداء ملابسي للخروج، لأنّ هاشم يتولى نشر أخبار الموتى والمرضى في دولة قطر من السودانيين على كافة معارفه. بارك الله فيه وأعطاه العمر المديد والصحة الحديد.
المهم جلست في بيت العزاء وسط تلك الحشود ساهماً لبعض الوقت. ثم لم أعد أدرك أين أنا.. أعني أن الجو العام حولي جعلني أنسى أنني في بيت عزاء وأن الغرض من وجودي هو التخفيف عن صديقي. كان المعزون يأتون في مجموعات ويصافحون شقيق الفقيد في وقار ثم يجلسون صامتين لدقائق معدودة ثم ينسجمون في أحاديث لا علاقة لها بالمناسبة التي جمعتنا في ذلك البيت. هنا نقاش عن أزمة المرور، وهؤلاء يناقشون قضية دارفور، وآخرون يتباحثون في انفلونزا الطيور، وشلة في ركن قصي يضحك أفرادها في منتهى السرور. كان أحدهم قد تلقى – فيما يبدو – طرفة عبر الهاتف الجوال وكان يعرضها على من حوله فيتضاحكون وكأنهم في »مقهى الشاطئ«، ولا بدَّ وحتما من أن تجد شخصا يحلل آخر مباراة بين برشلونه وريال مدريد فيتعالى الجدل، وتحسب – من فرط سخونة النقاش – أن دولة الأندلس لم تسقط.
باختصار أدركت أن تقديم العزاء صار واجباً روتينياً مثل الواجبات المدرسية التي عليك أن تؤديها وأنت مرغم وكاره: يأتي الناس الى بيت العزاء لعمل الواجب، ولا بأس في عمل الواجب، ولكن التعويل على الطريقة التي يؤدى بها ذلك الواجب. والضحك في مقام الموت والحزن والفقد ليس من قبيل »الواجب«... ربما كان المريض في المستشفى بحاجة إلى من يسري عنه بالطرف والنكات لينسيه معاناته، ولكن الشخص المكلوم ليس بحاجة إلى أناس يتضاحكون من حوله.. وحتى في المستشفى فإنّ للتظارف حدوداً، فليس من حسن الفطن والظرف أن تقول لشخص بترت ساقه لسبب أو لآخر: ولا يهمك السنة الجاية نشوفك في الأولمبياد.. هاهاهاهاآآآآآآ.. هناك أناس لا يعرفون معنى أن لكل مقام مقال، ومن ثم يتصرفون وهم يقدمون العزاء بنفس الطريقة التي يتصرفون بها وهم يباركون لشخص ما زواجه.. تستطيع أن تداعب العريس بعبارة من شاكلة: ولا يهمك، كلنا لها.. ولكن رغم أن »كلنا لها« تقال في مقام تقديم العزاء إلا أنه إذا سبقتها »ولا يهمك«، في معرض مواساة صاحب الفقد, فإنّ ذلك يثبت أنك »ميت« القلب والحس.
بل إن اعتبار صيوان العزاء مجمع أنس، وتبديد وقت يجعل البعض يصافحونك وأنت تهم بالانصراف: فرصة سعيدة.. نشوفك قريب. ماذا تقول لشخص كهذا: إلهي تشوف العمى ولا تشوفني في موقف كهذا؟ إذا كان الجلوس في حضرة الموت فرصة سعيدة فما هو مقياس التعاسة والحزن عندك.

____________
اضغط اعجبني واحصل علي الاخبار بسرعة وبسهولة دون جهد

.
سبحان الله و بحمده عدد خلقه و رضا نفسه و زنه عرشه و مداد كلماته(3 مرات)

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى