زاوية غائمة - جعفر عباس - الصمت حيث ينبغي الكلام

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

14112016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - الصمت حيث ينبغي الكلام




في كثير من البرلمانات العربية، هناك فئة من أعضائها تحترم نفسها، ولا تتكلم لا في الفاضي ولا في المليان، وهي في هذا تطبق حكم صلاة الجنازة على جلسات البرلمان فـ»إذا تكلم البعض سقط الكلام عن الباقين«، وهذه النوعية موجودة في معظم المجالس النيابية، ففي مجلس اللوردات البريطاني بقي عضو )33( من دون أن يقدم كلمة واحدة، رغم أن هذا المجلس غير المنتخب، ومن الناحية الدستورية أعلى سلطة من البرلمان المنتخب، ومن الطُرف المتداولة في السودان أن أول برلمان عقب الاستقلال شهد نوعية من النواب معظمهم لا يفهم ما يدور خلال المداولات، إما لجهلهم باللغة العربية، أو السياسة، أو لكونهم من إثنيات ناطقة بغير العربية، أو لكونهم أميين أوصلهم نفوذهم كعمد وشيوخ قبائل في مناطقهم إلى البرلمان، ويقال أن أحدهم قضى كل دورات البرلمان وهو يقول لنفسه: لسانك حصانك.. وأحكم الإمساك بلجام حصانه )لسانه( ولم يقل كلمة واحدة، حتى كانت آخر جلسة، وبعد أن قرر رئيس البرلمان قفل باب النقاش ورفع الجلسة، مودعا الأعضاء رفع صاحبنا يده طالباً فرصة الحديث، وهنا قرر رئيس البرلمان تجاهل اللوائح ليسمح للنائب الصامت بقول كلمة تسمح بإدراج اسمه في مضابط البرلمان. وقف النائب وقال: سيدي الرئيس كيف يتم إدخال هذه »التربيزة« إلى هذه القاعة؟ وأشار بيده إلى طاولة ضخمة كان النواب يتحلقون حولها )كان عدد النواب محدوداً في ذلك البرلمان وكانوا يجلسون حول مائدة بيضاوية(.
الأعضاء الصامتون في المجالس النيابية أو البلدية يعرفون أنه فيما يخصهم فإن السكوت من الذهب، بينما الكلام بلوتونيوم مخصب تصدر عنه مواد مشعة ضارة بالبيئة الاجتماعية والسياسية واللغوية، وبالتأكيد يكون من بين أولئك الصامتين من يملك القدرة على الخطابة والكلام »المرتب«، ولكنهم يؤثرون الصمت، لأن التجربة علمتهم أن من يمسك لسانه تزداد فرص فوزه بمقعد في البرلمان التالي بل قد يصبح عضوا مزمنا في عدة برلمانات، ولسان حال بعض هؤلاء يقول: وعلى وش نقول كلام يمكن يزعل منه فلان أو جهة ما.. والجرائد اللي ما لها شغل غير نقل النميمة تنسب لنا كلاماً يدخلنا في مشاكل(.
المدرسون يعرفون جيداً ظاهرة الصمت إيثاراً للسلامة، فعندما يطرحون سؤالاً ما على طلابهم، لا يرفع بعض الطلاب أيديهم قط للإجابة عن الأسئلة، وبعضهم يمتنع عن التفاعل مع المدرس لأنه لا يعرف ما إذا كانت الحصة التي يبرطم خلالها المدرس مخصصة للرياضيات أم اللغة الفرنسية، وطالع ونازل يومياً فقط لأن الوالد لن يرحمه إذا ترك المدرسة، وسيحرمه من المصروفات النثرية، وفي مناخ كهذا يضطر المدرس إلى توجيه الأسئلة إلى أفراد تلك الفئة ويفاجأ بأن الكثيرين منهم يأتون بالإجابات الصحيحة، ولا يثير ذلك عجبه لأن التجربة علمته أن هناك طلاباً يلزمون الصمت إما لأن رفع اليد أمر »مرهق« أو لأنهم قليلو الثقة بالنفس، أو لأنهم يخشون التعرض لانتقادات لاذعة من المدرس إذا كانت الإجابة خاطئة. ولهذه النوعية من الطلاب أقدم نماذج لإجابات عن أسئلة ستجعل المدرس في حيص بيص: ما السائل الذي لا يتجمد؟ ج: الماء المغلي! س: أي الشهور به 28 يوما؟ ج: كل الشهور بها 28 يوماً! س: إذا اشتريت 100 قطعة شوكولاتة بريال واحد فما قيمة القطعة الواحدة؟ ج: عديمة القيمة لأن صلاحيتها منتهية!
عندما بدأنا نتعلم الإنجليزية، كان معنا تلميذ يتمتع بمناعة قوية ضد هذه اللغة، وعلى محدودية المفردات الإنجليزية التي كنا قد تعلمناها، لم تثبت في ذهنه سوى كلمة »بكتشر« وتعني صورة، وكان المدرس يبدأ كل حصة جديدة باختبار شفهي ليتأكد من أننا نعرف الكلمات الإنجليزية التي تعلمناها سلفا، وكان يضع المؤشر - مثلا - على صورة كرسي ويسأل صاحبنا: وات إز ذِس؟ ما هذا؟ فيكون الرد: بكتشر.. ويرفع المدرس صورة قلم رصاص، ويسأل صاحبنا عنه فيقول: بكتشر. وهكذا دواليك فيصيح المدرس: شنو الحكاية كل الصور التي أعرضها أمامك »بكتشر«، فتصدى له تلميذ ذكي قائلا: يا أستاذ أنت تعرض عليه صور أشياء، والصورة »بكتشر«! وباختصار فقد تم إعفاء التلميذة »المبكتشر« من اختبارات اللغة الإنجليزية نهائيا.



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى