زاوية غائمة - جعفر عباس - الغوغائية تنتصر على العقلانية )1(

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

17112016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - الغوغائية تنتصر على العقلانية )1(




ستجد في أبيات الشعر التالية أجمل تعقيب على فوز دونالد ترامب بكرسي الرئاسة في الولايات المتحدة:
يا ساسةَ العرب..../ فاز أبو لهبْ؟؟ / ما فاز إلا الحقدُ والشّغَبْ / فلترجعي للدار يا حمّالةَ الحطبْ/ إني أرى حالكما اضطربْ/ يا بؤسَها من دولة مائلةِ القَتَبْ / كثيرة الصّخب / ممسوخةِ الأخلاقِ والأدبْ/ تخوض في دمائنا إلى الرُّكَبْ/ في الشام في العراق في صنعائنا/ في القدس في النّقَّبْ/ في ليبيا، في مَوصلِ الأمجادِ في حلبْ/ فاز أبو لهب؟ / كلا وربي، إنما تبّتْ يداه بالردى وتبّ/ أنَّى يفوز سارقٌ إذا نهبْ؟ / أنَّى يفوز غاسقٌ إذا وقبْ؟ / أنى يفوز ناطقٌ إذا كذبْ؟/ فاز أبو لهب؟ / أنَّى يفوز مجرمّ في وجههِ الغضبْ؟ / ما فاز إلاّ العَرضُ والطلبْ/ ما فاز إلا السّلُّ والجرَبْ/ تراجعت حمّالةُ الحطبْ/ وجاءكم بحقدها وحقده أبو لهبْ / فلَمْلِموا أوراقكم يا ساسةَ العربْ.
وهكذا فجَّر فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية نوافير الغضب في قريحة الشاعر عبدالرحمن العشماوي، ويتضح من سياق القصيدة أنه يرى أن أخت شهاب الدين، )هيلاري كلينتون – اسم الدلع حمالة الحطب( أضرط من أخيها الفائز أبي لهب )ترامب(، وبالمصري، ما أزفت من سيدي إلا ستِّي )أبلغ ما جاء في قصيدة العشماوي أعلاه، »ما فاز إلا العرض والطلب«. لأنه تنبيهٌ إلى أن آليات السوق هي المؤثر الأكبر على مسار ونتائج الانتخابات تلك، لأن ترامب كما سنرى عرض بضاعة زبائنها كثيرون بسعر بخس(.
الانتخابات الديمقراطية كما الامتحانات الأكاديمية، قد لا تسفر دائما عن نجاح الألمعي الذكي، وفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية يوم الثلاثاء الماضي خير شاهد على ذلك، ومع هذا لم تعرف البشرية بعد أسلوبا أفضل من تلكما الوسيلتين، لتحديد من يستحق النجاح ومن يستحق الرسوب، وقد لخَّص الأمر الشاعر الفذ إيليا أبو ماضي:
لما سألت عن الحقيقة قيل لي / الحق ما اتفق السواد عليه
فعجبت كيف ذبحت ثوري في الضحى / والهند ساجدة هناك لديه
نرضى بحكم الأكثرية مثلما / يرضى الوليد الظلم من أبويه
وقد قضت الأغلبية )السواد( بأن ترامب خير من هيلاري كلينتون كرئيس للبلاد، تماما كما رأت الأكثرية في بريطانيا أنه من الخير لبلادهم أن تخرج من الاتحاد الأوروبي، بالرغم من أن كل ذي عقل يدرك أن ترامب الذي لم يشغل طوال حياته منصبا حكوميا تنفيذيا أو دستوريا أو دبلوماسيا، ولم يخضع حتى للتدريب العسكري البسيط، لا يملك من الأدوات كثير شيء ليدير أقوى بلدان العالم عسكريا واقتصاديا، تماما كما أدرك من صوتوا لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أنهم ضربوا بلادهم تحت الحزام، ومن ثم كانت ظاهرة لم تعرفها الولايات المتحدة طوال رحلتها الطويلة مع الديمقراطية، وهي خروج الآلاف في عشرات المدن الأمريكية احتجاجا على فوز ترامب، ليس لأن الفوز مشكوك فيه بالمعايير الديمقراطية، بل لأنه »بالعقل كدا ما يصير«.
وشواهد التاريخ التي تثبت أن الأغلبية لا تملك بالضرورة سداد الرأي كثيرة، فكثيرا ما تسود عقلية القطيع بين الشعوب والمجتمعات، فتناصر زرافات الأطروحات الغوغائية، فـ)الأجهر صوتا والأطول / يأتي في الصف الأول – بينما – ذو الصوت الخافت والمتواني/ يأتي في الصف الثاني( )الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور(.
وترامب كغوغائي ديماغوجي يعرف ما يطلبه المستمعون، ومن ثم صب اللعنات على المكسيكيين والمسلمين وجماعات حماية البيئة وحلفاء بلاده في المجالات العسكرية والاقتصادية، وكانت الرسالة المبطنة، ولكنها صريحة جدا، هي »أن الولايات المتحدة بلد الشعوب البيضاء ولا دين لأحد غيرها على رقبتي«، وفاز بأصوات معظم الأمريكان البيض، وخاصة كبار السن، وانقسم الشعب الأمريكي الهجين كما لم ينقسم منذ نهاية الحرب الأهلية )1861-1865 بين القوات الاتحادية وولايات الجنوب الانفصالية( بدليل أن تلك الولايات الإحدى عشرة صوتت جميعها لترامب.
ونواصل



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى