تابعونا عبر فيس بوك

قوقل ‏+‏ ‏
Use the English Language

الغوغائية تنتصر على العقلانية )2(- جعفر عباس "زاوية غائمة"

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

18112016

مُساهمة 

الغوغائية تنتصر على العقلانية )2(- جعفر عباس "زاوية غائمة"




قلت بالأمس إن دونالد ترامب المهرج السوقي فاز على هيلاري كلينتون السياسية المحنكة ذات الخبرة الطويلة في دهاليز الحكم لأنه خاطب قواعده الجماهيرية بلغة شعبوية تعبوية: سوف نبني ونعمر ونكسر وندمر، ونمزق الاتفاقيات والمعاهدات، لأننا الكل في الكل، وكل شيء يصير زي الفُل، ولم يكن ترامب في كل ذلك الفريد في عصره، فيا ما وصل إلى السلطة أشخاص بمنطق الطبلة والربابة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة.
خطاب ترامب الغوغائي أكسبه مساندة قوى اليمين، ولكن نقيضه في المواقف السياسية هوغو رافاييل شافيز، وصل إلى كرسي الحكم في فنزويلا )1999-2013( عبر صناديق الاقتراع، ممتطيا صهوة خطاب تهريجي اشتراكي، ووعد شعبه »بالمصري« أنه سيجعل البحر طحينة، وطرح نفسه داخل بلاده وخارجها - كما فعل من قبله الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي - كالفارس الذي سيمرغ أنف الولايات المتحدة في التراب، وكما صار منتخب البرازيل لكرة القدم »ممثل العرب« في المنافسات الكروية الدولية، صار شافيز في نظر عرب كثيرين، النسخة الإفرنجية من صلاح الدين الأيوبي.
وظل شافيز يبيع الوهم لشعبه، ويوزع نفط بلاده بالمجان في العديد من البلدان، كي يقال عنه »عظيم الشأن«، ورحل عن الدنيا تاركا لخليفته نيكولاس مادورو، خزينة عامة ليس فيها ما يكفي لشراء البندول، رغم ان البلاد تسبح فوق بحيرة بترول، وهكذا تسبب شافيز في إشانة سمعة الاشتراكية، التي كان يبشر بها لخلاص شعبه من الفقر والجهل والمرض، واليوم ونحن في خواتيم عام 2016، يعبر مئات الآلاف من الفنزويليين حدود بلادهم يوميا ليدخلوا كولمبيا المجاورة للحصول على الدواء والغذاء.
وأعود فأقول إن دونالد ترامب فاز بكرسي الرئاسة الأمريكية، رغم جهله الفاضح بأمور الحكم والسياسة، على هيلاري كلينتون عضو مجلس الشيوخ المخضرمة، والتي كانت يوما ما سيدة أمريكا الأولى، ووزيرة لخارجية بلادها، ويعزى فوز ترامب لكونه غوغائيا شعبويا، دغدغ بتصريحاته النشاز مشاعر اليمين »الأبيض« المسيحي، ووعده بأن يجعل الولايات المتحدة »عظيمة«، ولأن الشحن العاطفي يلغي العقول، فإنّ مناصري ترامب لم يسألوا أنفسهم: أليس بلادنا الآن - كما ظل حالها طوال الأعوام السبعين الأخيرة - القوة »الأعظم« في مجالات الاقتصاد والعسكرة والتكنولوجيا وأقوى مؤثر على مجريات السياسة الدولية في قارات الله الخمس؟
الحاوي ليس ساحرا وحتى أولئك الذين نسميهم سحرة لأنهم يأتون أفعالا تحير العقل كما نراهم على شاشات التلفزيونات والسينمات والكمبيوتر، ينجحون في إبهار المشاهدين لأنهم متمرسون في تشتيت الأنظار ومن ثم الأفكار في لحظات معينة بحيث لا ينتبهون إلى »الخدعة« التي تسبب الانبهار وإحدى أكثر الحيل التي يلجأ اليها الحواة هي تعطيل حاسة النظر عند المشاهد بإلقاء طرفة تجعل حاسة السمع هي الأكثر نشاطا، وبينما المشاهد يبتسم ويضحك يكون الحاوي قد لعب »لعبته« وخلب الألباب، وهذه لعبة أتقنها ترامب: أوباما ليس أمريكيا/ سنبني حائطا بيننا والمكسيك ونجعلها تتحمل تكاليف البناء/ ما حيلتي إذا كنت جذابا تستهدفني الحسناوات؟ ووسط كل هذا التهريج ضاعت قضايا السياسة والحكم والاقتصاد وفاز الحاوي بالتصفيق »والتصويت« من أجمل أبيات القصيدة العمرية للشاعر حافظ إبراهيم: رأي الجماعة لا تشقى البلاد به / رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها.
والقصيدة تسجيل رائع لشخصية الفاروق عمر رضي الله عنه، والذي شكل مجلسا للشورى لاختيار من يخلفه في الحكم، وجعل ابنه عبدالله عضوا فيه، دون أن يتمتع بحق التصويت، واقترح عليه أحد المسلمين »استخلف ابنك عبدالله«. فقال: قاتلك الله، والله ما أردت الله بذلك، ويحك لا إرب لنا في أموركم، ما حمدتها لنفسي فأرغبها لواحد من أهل بيتي، إن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا فحسب آل عمر أن يُحاسب منهم رجلٌ واحد، ويُسأل عن أمر أمة محمد. لقد أجهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت لا عليَّ ولا لي، فإني إذاً لسعيد.
ولا تشقى البلاد برأي الجماعة، إذا كانت راشدة ناضجة تتوسل في مشاوراتها الحق والعدالة، أما في حال بلد مثل الولايات المتحدة، يتباهى مواطنوه بأن حمل السلاح الناري حق مكفول بقوة الدستور، وترفض نسبة عالية منهم توسيع مظلة التأمين الصحي ليشمل الفقراء، فـ»رأي الجماعة قد تشقى البلاد به«، فقد اختارت الجماعة الغالبة ترامب رئيسا، لا لرشد فيه أو رجاحة عقل، ولكن لأنه، وبلغة سوقية، حرك في المستنقع الأمريكي نزعات الاستعلاء العنصري والقومي، ووعد مناصريه بأن يجعل بلادهم »عظيمة« بمعزل حتى عن حلفائها التاريخيين في أوربا وشرق آسيا.



ـــــــــــــــــــــــ


.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى