زاوية غائمة - جعفر عباس - ترامب ذكي سوقي

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

20112016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - ترامب ذكي سوقي




لو كان دونالد ترامب غبيا بالمطلق، لما فاز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ورغم أنه من الثابت بالعين المجردة أنه غبي بدرجة مثيرة للإعجاب في أمور السياسة والحكم، فإنه قطعا يتمتع بشطارة ابن السوق، والسوق يعلم الشخص الذي يملك الخميرة اللازمة مهارات لا تستطيع جامعة هارفارد ومثيلاتها تقديمها حتى إلى النوابغ من الدارسين.
أمضيت هنا وقتا طويلا وأنا أحاول ان أثبت أن ترامب استمال قلوب الناخبين بالتهريج وبذل الوعود، وقول ما يريد الناخب العادي سماعه، وهذا هو منطق »الجمهور عايز كدا«، لتبرير إنتاج أفلام وأغنيات تافهة، ويتجلى ذكاء ترامب المكتسب من حياة الشارع والسوق، في أنه، رغم ملياراته، أنفق أقل من نصف ما أنفقته منافسته هيلاري كلينتون على حملتها الانتخابية، فقد أنفقت هيلاري نحو 150 مليون دولار على الدعاية لنفسها عبر التلفزيون ومع هذا كان حضور ترامب على الشاشات »أكثر« من حضورها بحساب مدة الظهور.
ولأنه غوغائي متمرس حرص ترامب على إطلاق تغريدتين يوميا عبر منصة التواصل الاجتماعي تويتر، ويحرص على أن تحتوي كل تغريدة على كلام مثير للجدل أو غير مقبول سياسيا، وهكذا ورغم أن جميع المؤسسات الصحفية في الولايات المتحدة ظلت تلعن خاش ترامب منذ أن قدم أوراق ترشيحه رسميا، فإنها كانت تتنافس على إعادة بث تلك التغريدات وتحويلها إلى مادة للجدل الجاد والساخر، وقد قامت بعض مراكز الدراسات الأمريكية بحصر عدد المرات التي ظهر فيها ترامب على شاشات التلفزة خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من الحملة الانتخابية، وبعمليات حسابية بسيطة استنتجت أنه لو دفع ترامب مقابلا ماديا نظير ذلك الظهور لكلفه ذلك 4.2 مليارات دولار.
ولأن السياسي الشعبوي غير معني بمحتوى ما يصرح به، ولا يهمه أن تُقابل مواقفه بالقبول والرفض من الناس »الفهمانين«، لأن الأولوية عنده هي البقاء في دائرة الضوء، فإنه إلى يومنا هذا، أي بعد فوزه بكرسي الرئاسة مازال يرسل التغريدات: تابعوني في حوار مع قناة كذا وكذا.. سنطرد 3 ملايين من المهاجرين كدفعة أولى لضمان مجتمع خال من الجريمة، وهكذا ارتفع عدد متابعي ترامب في تويتر، من سبعة ملايين في يوليو المنصرم إلى أكثر من 17 مليون اليوم، وإذا كان ممكنا إعادة إرسال التغريدة الواحدة إلى أي عدد من الناس فلك أن تتخيل كم من عشرات الملايين ظلوا يغردون خارج سرب العقول الراشدة مع ترامب.
ولتأكيد ما ظللت أردده هنا بأن الفائزين في الانتخابات ليسوا بالضرورة، الأفضل برامج وأفكارا، لا أجد مثالا ونموذجا أفضل للشخصية الشعبوية الغوغائية من الرئيس الإيراني السابق محمد أحمدي نجاد )2005-2013(، فمن رئيس لبلدية طهران خاض انتخابات الرئاسة واعدا الفقراء –كما فعل شبيهه الفنزويلي هوغو شافيز– بنصيب من وافر من ثروة البلاد النفطية، ولكنه بعد 8 سنوات حافلة بالجدل وقلة العمل ترك اقتصاد البلاد مهلهلا وعلاقاتها الخارجية في أدنى درجاتها.
وليس أدل على أن نجاد لا يصلح زعيما للبلاد بأي درجة، أكثر من أن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي استدعاه قبل أقل من شهرين وطلب منه عدم خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وكان نجاد قد أعلن اعتزامه فعل ذلك، ولم يفز الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني بالمنصب في يونيو 2013، إلا لأنه لم يواجه خصوما مهرجين من شاكلة أحمدي نجاد، ومن ثم تسنى له مخاطبة الناخبين عن ضرورة تسوية ملف بلاده النووي والاهتمام الجدي بالقضايا الاقتصادية، ورغم أن رسوخ الشعبوية والتعبوية في العمل السياسي الإيراني يشل من حركة روحاني كرئيس للبلاد، فإنه حقق لبلاده ما لم يحققه رئيس قبله منذ سقوط نظام الشاه في عام 1979.
ولسوء حظ الأمريكان ليس عندهم خامنئي يقول لهذا »على بركة الله« ولذاك »الزم حدودك«، ولكنني واثق من أن ترامب سيكون أقوى عدو لنفسه، وأنه سيختفي من الساحة غير مأسوف عليه بعد أربعة أعوام.



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى