زاوية غائمة - جعفر عباس - مدرس يهرش وآخر مفرفش

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

22112016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - مدرس يهرش وآخر مفرفش





أحاول قدر الإمكان أن أمارس »التنوير« في مقالاتي، ولا يعني هذا أنني »مستنير« أكثر من غيري من الناس، ولكنني أبذل جهد المُقِل لأقول هنا وهناك بضع كلمات قد يجد القارئ في طياتها ما ينبهه الى أمور معينة منها ما ينبغي –في تقديري– تفاديها أو الاسترشاد بها بمعنى »الاتعاظ« بها قبولا أو نفورا.
وقد أخوض في أمور يعتقد البعض أنها ليست من »تخصصي«، وهم على حق، لأنني لا أؤمن أصلا بما يسمى التخصص، إلا في أضيق الحدود، فلا شيء يمنع الطبيب المتخصص في شؤون المسالك البولية –مثلا– من أن يدلي برأيه في شأن اقتصادي، ولا شيء يمنع تاجر المواشي من الخوض بكفاءة في أمور الصحة العامة.
واليوم أرجو أن يتحملني المعلمون إذا ارتديت مسوح الناصح لهم، فالنصح ثقيل على نفوس البعض لأنهم يرون أن الناصح شخص يحس بأنه أكثر علماً وتجربة ممن ينصحهم. لا، أنا أعرف أن هناك مئات الآلاف بل ملايين المعلمين من هم أكثر مني دراية وخبرة بشؤون مهنتهم بل وبالشؤون العامة، وكثيرون من الناجحين في السلك الدبلوماسي أو الإداري أو التجاري بدأوا حياتهم كمعلمين ثم )أدركتهم رحمة من ربي(. ولكنني أستطيع أن أتكلم عن التدريس بحكم أنني كنت مدرساً محبّا للمهنة، وبحكم أنني أب يهتم بمسيرة عياله وعيال غيره التعليمية، ومهتم بشؤون التربية والتعليم عموماً.
أريد -اليوم- بالتحديد الخوض في مسألة نفور الطلاب من المدارس وكراهيتهم لها، وأعتقد أن المدرس يلعب دوراً أساسياً في تحبيب المدرسة إلى نفوس الطلاب أو تنفيرهم منها. نعم المناهج عندنا ثقيلة الدم وغير جاذبة، وانظر كيف تدفع ثلاثين دولاراً في طبق دجاج مشوي في فندق عن طيب خاطر، بينما نفس الطبق يباع في مطعم آخر بما يعادل ثلاثة دولارات. الفندق يقدم إليك الطبق في قالب جميل ونظيف يفتح النفس والعاملون فيه يعطونك الإحساس بأنك فريد في عصرك! والتعليم سيم سيم. فهناك المعلم الذي يدرس مادة عسيرة الهضم مثل الرياضيات أو قواعد اللغة، ولكنه ينجح في شدّ انتباه الطلاب بأسلوبه الجذاب وبإضفاء المرح والبساطة على »المادة«، وبالمقابل هناك المدرس الذي يتصرف وكأنه شاويش )رقيب( في سلاح المشاة يدرب نفراً من المجندين على الزحف على الأرض، والسير »كتفاً سلاح« لكيلومترات، ويجاهد كي يثبت لهم أن العسكرية )صعبة( وأنهم أبعد ما يكونون عن روحها، ومن ثم يقسو عليهم في الطوابير ويبلغهم بأن حالتهم ميؤوس منها! لا بأس بذلك في السلك العسكري الذي يتطلب الانقياد الأعمى لمن هم أعلى رتبة وللتعليمات والضوابط المتعارف عليها.
هناك جيش جرار من المدرسين يستقبل العام الدراسي الجديد بنفس درجة الاكتئاب التي يستقبله بها الطلاب، فهم كارهون للمهنة لأنهم اختاروها مرغمين ويعتبرونها نقطة ترانزيت في مسيرتهم المهنية: )شدة وتزول.. وبعد الضيق يأتي الفرج(، وهذه الفئة تفش غلها في الطلاب وتجعل الحصة الدراسية ضرباً من التعذيب النفسي وربما الجسدي، وهناك المدرس الذي يعتقد أنه لن ينال احترام طلابه ما لم يدركوا أنه )صعب وحازم وصارم( ويسعده أن الطلاب يجلسون أمامه مثل الأرانب المذعورة )يقال إن الأرنب عندما يتعرض لزنقة ويدرك أنه سيقع في قبضة الصائد يقوم بتنويم نفسه مغناطيسياً أي أنه يتبلد ويفقد القدرة على الحركة(، وعلى عهدي بالتدريس كان معنا زميل يفتخر بأن الطلاب أضفوا عليه لقب »هتلر«.
وليس جلوس 40 طالباً أمام مثل هذا المعلم بلا حراك أو ضجيج دليلاً على أنهم ينصتون لما يقول، بل هو ناتج عن خوفهم من لسانه ويده، وبالمقابل هناك المدرس الذي يدخل غرفة الدراسة هاشاً باشاً ويمضي الدقائق الأولى من الحصة في إجراء »مساج« نفسي للطلاب كي يسترخوا ويتابعوه بأعصاب هادئة، ومثل هذا المدرس قد ينجح في ضبط أي انفلات طلابي بكلمة واحدة مثل )بس(: لين في غير ضعف وشدة في غير عنف.



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى