زاوية غائمة - جعفر عباس - بلاش صحف ومجلات جديدة

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

02122016

مُساهمة 

زاوية غائمة - جعفر عباس - بلاش صحف ومجلات جديدة




زاوية غائمة - جعفر عباس - بلاش صحف ومجلات جديدة
قبل أيام اتصل بي زميل صحفي، لا تربطني به علاقة شخصية، أي لم نكن نتعارف من قبل، وقال لي إنه بصدد إصدار مجلة ويريد مني أن أشارك فيها بكتابة مقال راتب، فكان ردي عليه: شكرا لأنك أحسنت الظن بي، وكي أثبت لك أنني استحق ثقتك فإنني أنصحك بصرف النظر عن مشروع المجلة، وأضفت أن المجلة قد لا يُكتب لها النجاح طالما هو يريدها هو نظيفة ومحترمة، لأن الرائج من المجلات فقط هي التي من فصيلة خضراء الدمن، )التي هي المرأة الحسناء في المنبت السوء(، وأسواقنا العربية تعج بمجلات زاهية الألوان بديعة التصميم، تغطي أرفف »البقالات« والأرصفة ولكنها تندرج تحت باب »من بره هلا هلا ومن جوه عليها لعنة الله«، ففيها ما هو غث وفج وسخيف: مواد مسروقة ومقابلات مع ناس خسارة فيها الأوكسجين الذي تتنفسه، وكل كلمة فيها تحتوي على نسبة عالية من ثاني أوكسيد الكربون الذي يضر بالجهاز التنفسي، ومن ثم ينتقل إلى الدماغ فيعطل فيه المدارك والأحاسيس.
برغم كل ما يقال من أن الانترنت جعل سوق الصحافة المطبوعة على الورق راكدا، فإنني أعتقد أن البقاء في السوق حتى بالنسبة إلى المطبوعات الصحفية الراسخة، سيكون فقط من نصيب تلك التي تحترم ذكاء القارئ وتغذيه بالمعلومة الدقيقة والنظيفة، وتهتم بقضايا الناس العاديين، وتحارب مرذول الممارسات، وتكون واسطة خير منوعة وخفيفة بين القلب والعقل، بالجمع بين الإمتاع والتثقيف، وتوازن بين الرصانة وخفة الظل، وهي مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، فالأدوية التي نتعاطاها كضرورة لاتقاء المرض أو التخلص منه تتألف من عناصر لا نحس بمرارتها لأنها مغلفة بالسكر والعسل، وصناعة الصحافة بحاجة إلى تقليد صناعة الأدوية، ليس فقط بالمزج بين الحامض والحلو، ولكن أيضاً بإقناع الجمهور بأن العقل بحاجة إلى دواء، وتقديم ذلك الدواء بجرعات محسوبة ومفيدة رغم بعض المرارة.
نعم المطبوعات في أسواقنا »بالهبل«، ومعظمها لا يصلح حتى كمفرش لتناول الفول بالبصل، ومن ثم هناك حاجة إلى مطبوعة أو أكثر لتكون رافداً للمعرفة والثقافة وأداة للتنوير، وهذا هو التحدي الذي سيواجه كل من يفكر بجدية في إصدار صحيفة أو مجلة على الورق أو عبر الأسافير.
ومن تجارب متنوعة في التعامل مع إصدارات صحيفة جديدة، أعرف أن نجاح أي صحيفة أو مجلة لا يتحدد في سنتها الأولى، وبالتالي على أسرة التحرير أي مطبوعة جديدة التحلي بطول البال والمثابرة، حتى يثبتوا وجود صحيفتهم/ مجلتهم في سوق متخم بالتفاهات المطبوعة، ومتى تأكد للقارئ أن المطبوعة هذه أو تلك، تختلف عن المطروح، سيقبل عليها بحماس، يعوضهم الجهد والقلق الذي عانوه وهم يخططون لإصدارها ويسهرون للدفع بها إلى المطبعة أو عبر الأثير.
والكلام أعلاه هو ما قلته بالحرف لصاحبنا الذي كان بصدد إصدار مجلة، وختمت المحادثة بيننا بأن قلت له إنني على استعداد للكتابة في المجلة المرتقبة إذا صمدت في الصدور عاما كاملا، ثم نسيت الأمر إلى أن تلقيت منه اتصالا بعدها بعدة أشهر، بادرني فيها باتهام ضاحك: أنا طلبت منك أن تتعاون مع المجلة مو تتآمر عليها! طلبت منه أن يبِيَّن ويفصح، فقال: إنه اتصل بكذا كاتب ومحرر ليساهموا بأقلامهم في المجلة، وأن معظمهم اعتذر بلباقة وبعضهم رفض العرض بوقاحة )مجنون أنت؟ أي مجلة وأي بطيخ في هذا الزمن(، وقال إنه فكر في نتائج اتصالاته مع الكتاب واستنتج أن »أولاد الحلال« هم من نصحوه بعدم إصدار المجلة، وأن الذين قبلوا العرض وفاوضوه على الفور حول »التسعيرة«، لم يكن يفرق معهم ماذا إذا نجحت المجلة أو فشلت.
وبحمد الله فقد كنت من أبناء الحلال الذين أقنعوا صاحبنا بصرف النظر عن المشروع، وأهدي هذا المقال لكل من يفكر في خراب جيبه بإصدار صحيفة أو مجلة جديدة.



ـــــــــــــــــــــــ




Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى