ثورة في الجزيرة: د. عبد اللطيف البوني

إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

03102018

مُساهمة 

ثورة في الجزيرة: د. عبد اللطيف البوني






بقلم: د. عبد اللطيف البوني


في الخامس والعشرين من مايو 1969 أصبحنا على مارشات الجيش التي أنبأتنا بأنّ البلد فيها انقلابٌ عسكريٌّ، فتحلّقنا حول الثلاثة أو الأربعة راديوهات الترانزيستور الموجودة في الداخلية، ويومها كُنّا تلاميذَ في نهاية المرحلة الوسطى، وكلما ارتفعت الشمس قليلاً تكشفت أخبار الانقلاب وهويته ثُمّ بدأت الكويمات تظهر، الأستاذ عبد الباقي عليه رحمة الله وهو أخٌ مسلمٌ بدأ يتفجّر غضباً )شيوعية تحكم السودان؟ مُستحيل.. الآن الخرطوم بتكون كلها في الشارع.. نحن لازم نمشي الخرطوم والآن(.. الأستاذ الفال رحمه الله كان يسارياً وكان يملأه الفرح )أهو دي الثورة المُنتظرة.. الخرطوم الآن بتكون كلها مظاهرات تأييد(، والحال هكذا.. ذهبنا إلى أستاذنا عوض حسن أحمد مدير المدرسة وهو شَاعرٌ مَعروفٌ من أشهر قصائده )صغيرتي( التي يُغنِّيها أبو داؤود )ما زلت أذكر خصلة عربيدة فوق الجبين.. مازلت أقرأ في السطور فأستبين البعض أو لا أستبين..(.. أستاذنا عوض كان يسارياً ثورياً أي الجناح الصيني، فسألناه عن الحاصل، فأشار لنا إلى مزارع من قرية كاب الجداد كان يركب حماره مُتجهاً إلى حواشته قائلاً: )أسألوا المزارع داك إذا كان حاسي بأنه مافي ثورة يبقى مافي ثورة وصراع نخب على السُّلطة(!
)2 (
تذكّرت كلام أستاذنا عوض حسن أحمد عليه رحمة الله ومعياره الذي وضعه للثورة يوم أمس، وكل مجالس الجزيرة أمس لا حديث لها إلا السعر التركيزي للقمح، )المُزارعين وغير المزارعين(.. فإذاً المعيار هو إحساس المزارع بالأمر، فإن هذا القرار يكون ثورة حقيقية في عالم الزراعة ولا يُمكن أن نتخيّل تشجيعاً لزراعة القمح أكثر من هذا.. بالطبع هُناك عوامل إنتاج كثيرة أخرى لا بُدّ من تَضَافُرها حَتّى ينجح المُوسم، لا بل هناك الكثير من المُعوقات التي يُمكن أن تظهر في أيِّة لحظة، فتقاوي مضروبة يُمكن أن تخرجنا من المُوسم! )نومة( من مهندس ري يُمكن تصيب مساحات شاسعة بالعطش! عرقلة حركة الحاصدات بواسطة الإدارة يُمكن أن تجعل الفاقد مُضاعفاً! ولكن المُهم في الأمر أنّ الحكومة ممثلةً في وزارة المالية تكون بهذا السعر المُناسب قد اتّخذت القرار الصاح في الوقت الصاح.
ويكفي هنا أن نذكر أنّه في العام الماضي وفي مثل هذا الوقت كانت الحكومة قد أصدرت قراراً بجعل سعر التركيز 450 جنيهاً، فقلنا ساعتها إنّ الحكومة قد ذبحت القمح بسكينٍ مَيتة، وبالفعل انخفضت المِساحة المزروعة إلى النصف تماماً، ثُمّ عند الحصاد شَعرت الحكومة بشوية خجل، فرفعت سعر التّركيز إلى 750 جنيهاً، فقلنا إنّه الجث البعد الضبح، عليها يصبح قرار هذا العام 1800 جنيه هو المُناسب والأهم، إنه في الوقت المُناسب!
)3(
الحراك الذي أحدثه هذا القرار، يشي بأنّ كل مُزارعي السُّودان أدركوا أنّ الزراعة سُوق، بعبارة أخرى لو عاوز زراعة تبدأ بالسوق بعد ذلك بقية المُدخلات سهلة جداً، فالكلام السوق لأنّ الكاش بقلِّل النقاش، ويا حبذا لو ثبّتنا في سياساتنا الزراعية هذا المبدأ، بمعنى المحاصيل الرئيسية مثل القطن والذرة والحُبُوب الزيتية والقمح لا تُزرع منها ولا سرابة واحدة ما لم تكن أسعار التركيز مُحدّدة سلفاً، ثُمّ تترك بقية المحاصيل غير الرئيسية للمُغامرة والمُخاطرة.. وقد ثبت نجاح هذه السياسة في القطن للعام السابق فكان الإنتاج الوفير )مليون قنطار(.
فإذا حدث نفس الشئ مع القمح كما هو مُتوقّعٌ ثم تُعمّم التجربة كما ذكرنا على المحاصيل الرئيسية تكون ثورة حقيقية قد حدثت في عالم الزراعة، وإن قلتم مافي داعي لكلمة ثورة هنا نقول معاك مافي داعي مافي داعي سَمُّوها أيِّ حاجة، المُهم نحن عايزين إنتاج فأنتجوا يرحكم الله برفع سعر التركيز أولاً ثم الحاجات التانية الحامياني.


Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى