جعفر عباس: تقاعدا وقعودا

إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

جعفر عباس: تقاعدا وقعودا

مُساهمة من طرف Admin في الخميس 11 أكتوبر 2018 - 14:21


جعفر عباس


حتى الأمريكان، الذين عاش جون غودإيناف بينهم أكثر من تسعة عقود، لا يعرفون عنه كثير شيء، فلا أحد يحفل في الولايات المتحدة وغير المتحدة، إلا بسِيَر الأغنياء والعاملين في مجالات السينما والتلفزيون والموسيقى والغناء، وغودإيناف يعيش على راتبه الشهري، رغم أن شركة سوني وغيرها من الشركات الصناعية بنت أمجادها على اختراعه لبطارية الليثيوم، التي أحدثت ثورة في عالم التكنولوجيا، وصارت مصدر الطاقة للهواتف والكاميرات والكمبيوترات وغيرها.
فاجأ غودإيناف، الأستاذ الآن بجامعة تكساس-أوستن، العالم مجددا، بتطوير بطارية ذات قعر معدني، تحتفظ بثلاثة أضعاف الطاقة التي تحتفظ بها بطارية الليثيوم، أي أنها تبقى مشحونة لمدة طويلة، مما يعني انها ستؤدي الى طفرة في التحول الى السيارات الكهربائية بالكامل، لأن السيارة تستطيع أن تقطع بها نحو ألف كيلومتر، من دون أن تحتاج إلى إعادة شحن.
معظم شركات السيارات العالمية تنتج سيارات كهربائية، مزودة بنظام هجين، بحيث تعمل بالوقود النفطي، إذا نفدت طاقة بطارية الكهرباء، في حين أن بطارية غودإيناف ستلغي الحاجة إلى وجود خزان وقود احتياطي في أي سيارة، لأنها تستمر في توليد الطاقة اللازمة لجعل السيارة تنطلق لعشر ساعات متواصلة، وهذه البطارية ستمثل ثورة صناعية ذات طعم خاص، فالطاقة الكربونية من نفط وغاز وفخم يمكن تخزينها وحرقها عند اللزوم، في حين أن ما يسمى الطاقة المتجددة )الشمس والرياح( لا تتوفر إلا بحسب الحالة المزاجية للمناخ، بينما هذه البطارية تبقى فاعلة ومتجددة على الدوام.
ما يهمني من أمر هذه البطارية هو أن جون غودإيناف اخترعها وعمره 94 سنة، وفي هذا رسالة مهمة لأنظمة الخدمة العامة في الدول العربية التي يحال الناس فيها بموجبها إلى الأرشيف بمجرد بلوغ الستين، فلا يهم أن المهني يكون في تلك السن قد اختزن في سنامه تجارب نحو 40 سنة في مجال عمله، وصار أكثر استعدادا للعطاء، بل المهم أن يتقاعد ليفسح المجال لغيره ليترقى وظيفيا، لأن الخدمة العامة عندنا ميدان خيري، تحشر فيه الحكومات مئات الآلاف والملايين، لتتحول البطالة المكشوفة الى مقنعة.
رونالد ريغان خاض الانتخابات الرئاسية الأمريكية وعمره 70 سنة، وبيتر روجيه ثيسوراس كان مدرسا حتى تقاعد وهو فوق الستين، وقاده اضطراب الوسواس القهري إلى هوس بمترادفات مفردات اللغة الإنجليزية، فأنتج أشهر قاموس )روجيه ثيسوراس( الذي صدرت منه عشرات الملايين من النسخ، وصار مرجعا لكل عامل في مجال الترجمة من الإنجليزية وإليها؛ وعندك مع دجاج كنتاكي الذي غزا جميع الدول، وخاض الكولونيل ساندرز تجربة تسويق ذلك النوع من الدجاج المتبل بوصفة معينة وهو فوق الستين، ولم يجد الرواج لسلعته، ولكن ببلوغه السبعين، كان دجاج كنتاكي قد انتشر في جميع القارات، وعندنا تبلغ الستين، وتحاول أن تمارس عملا ما بانتظام، يقولون لك: كفى، واسأل الله حسن الخاتمة!! اجلس في سجادة الصلاة واصرف ما تبقى من عمرك في العبادة!! ولماذا لا تنصحونني بسؤال الله حسن الخاتمة وأنا في العشرين أو الثلاثين؟ وهل المكوث طويلا على سجادة الصلاة وأنا فوق الستين »أوفر تايم« أي أنال عليه أجرا إضافيا، أم إنه المطلوب من كل مسلم أن يكثر من الصلاة خاصة في سن الشباب حيث الإنسان أكثر ميلا للطيش والنزق؟
فرغم أننا قدريون، إلا أننا نتصرف بعقلية أن الإنسان يكون »مرشحا للموت« بعد سن الستين، ولهذا، ونحن نحسب أننا نترفق بكبار السن منا، بأن نطلب منهم أن يكفوا عن الحركة والنشاط، فإننا نريد لهم أن يتخلوا عن مبدأ »اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا«، وأن يركزوا فقط على دعم رصيدهم ليوم الحساب العظيم.
جون غودإيناف وأمثاله في الغرب »الكافر« يظلون يقدحون أذهانهم، ويعملون ويبدعون من دون اعتبار لأعمارهم البيولوجية، فيصعدون سلالم المجد، وتصعد معهم البشرية الى مراقٍ رفيعة، بينما نحن نريد لكبار السن أن يقعدوا ويتبطلوا، وكلمة تقاعد من »قعد يقعد قعودا«، بينما تقابلها في الإنجليزية »ريتاير retire« ومعناها الأصلي الارتياح.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى