جعفر عباس: الفضائيات والهذيان والقردحة

إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

جعفر عباس: الفضائيات والهذيان والقردحة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 13:22


زاوية غائمة
جعفر عباس


قناة تلفزيونية فضائية عربية، استضافت مطربا كويتيا، وفي سياق الحوار معه، طلبت المذيعة يده للزواج، وبالتأكيد فإنها لم تكن »جادة«، فبالمواصفات التي رأيتها بها )من حيث التضاريس(، لو كتبت في تويتر »بدي عريس«، لتقدم للزواج بها آلاف المليونيرات.
حكاية المذيعة هذه مع ضيفها الكويتي، لا تنم فقط عن استخفاف بالمؤسسة الزوجية، بل دليل على أن القنوات التلفزيونية العربية تستخف بالجمهور، وما هو حادث في مجال التلفزة العربية منذ نحو عقدين، هو تعريب البرامج التلفزيونية الأمريكية ثم إيكال تقديمها لأشخاص عارين من الموهبة، ويحسبون أن خفة الروح تأتي من خفة العقل.
وهكذا كان التفشي الوبائي لشخصيات تقدم برامج تلفزيونية تافهة وسخيفة بلغة سوقية، ولأن المهرب من هذه الفئة من مقدمي البرامج، يكون باللجوء إلى القنوات العربية الرسمية، المتخصصة في الإفك والتدليس، فقد وجد المشاهد العربي نفسه بين أمرين أحلاهما مر، وبداهة فإن اللغو المشوب بالهذر والتهريج والطرب، أخف على النفس من اللغو الهادف إلى إلغاء واحتقار العقل، ولهذا انتصرت القنوات التلفزيونية التجارية على رصيفاتها الرسمية.
وشيئا فشيئا صارت نسبة عالية من جمهور التلفزيون في الدول العربية، خفيفة العقل، وصار مهند التركي معشوق المراهقات العربيات، وصارت النساء العرب يعايرننا بأننا لسنا رومانسيين كما مهند، )الرومانسية مشتقة من رومانس، وتعني أصلا جنس القصص التي تدور حول الحب وجمال الطبيعة، وجذر الكلمة لاتيني، وهناك عصر كامل للأدب الأوروبي يسمى بال »رومانسي«، جاء كترياق مضاد للقبح الذي لازم الثورة الصناعية، وكان جوهره تمجيد جمال الطبيعة من ماء وشجر ونسيم وحجر، وبعبارة أخرى فإن الرومانسية لا تخص رجال أو نساء الغرب أو العرب، أو العلاقة العاطفية بين الجنسين(.
وصنعت التلفزيونات العربية أيقونات أخرى، معظمها من أهل الطرب والتمثيل والرقص، بدرجة أن استطلاعا للراي شمل آلاف العرب، تضمن سؤالا عن الشيخ محمد عبده، فكان أن أبدى غالبية من استطلعت آراؤهم العجب، لأنهم لا يعرفون متى تحول محمد عبده من مطرب إلى شيخ، وصار بعض مقدمي البرامج التلفزيونية »نجوما« رغم أن ما يأتونه على الشاشات يوحي بأنهم قرود في سيرك.
وإليكم المثال الكلاسيكي عن النجومية الزائفة التي صنعتها الفضائيات العربية: برنامج »من سيربح المليون«، الذي هو أصلا بريطاني الجنسية، ثم صارت له نسخة أمريكية، ثم تم تعريبه، وتكليف جورج قرداحي بتقديمه عبر قناة أم بي سي الأولى، وحظي البرنامج بمشاهدة عالية جدا، لأمرين، أولهما أن جلسة تنتهي بحصول شخص ما على المليون، أو جزء من المليون، مشوقة للغاية، وثانيهما، أن كثيرين ممن جلسوا أمام قرداحي ليجيبوا عن أسئلة، وأمامهم أربعة »خيارات« للجواب الصحيح لكل سؤال، مستندين إلى ما في أدمغتهم من معلومات، أو مستعينين بالجمهور الموجود في الاستوديو لحظة تسجيل البرنامج، أو بالاتصال الهاتفي بمن يأنسون فيهم القدرة على الإتيان بالأجوبة الصحيحة، كانوا على درجة رفيعة من الجهل والغباء: ما هي عاصمة السودان: استوكهولم - الخرطوم - البلعوم - أم كلثوم؟ وتكون الإجابة بعد الاستعانة بالجمهور الحضور هي »البلعوم«.
والشاهد ليس في برنامج »من سيربح المليون« في حد ذاته، بل في مقدمه جورج قرداحي، الذي كان كل دوره أن يطرح أسئلة قصيرة، ثم، يصيح: إجابة صحيحة/ خطأ، ويذكر المتسابق بين الحين والآخر أن من حقه الانسحاب من البرنامج، بما كسب من مال أو المجازفة بأن يخسر كل ما كسب، إذا لم يفلح في أن يقدم إجابات صحيحة على الأسئلة التالية؛ هذا القرداحي، حسب أنه صار »رجلا بمليون رجل«، وهكذا وبالاتفاق مع شركة أوروبية أنتج عطرا يحمل اسمه وصورته.
و»المشكلة« في ذلك العطر أنه رجالي، أي ان قرداحي حسب أنه »معبود« الرجال، في حين أن الرجل السوي الذي يعتقد أنه في منتهى الحلاوة، يميل إلى الاعتقاد أنه ساحر النساء.
وقرداحي وسيم الملامح والتقاطيع، ولكن اعتقاده بأن ذلك يجعل الرجال منجذبين إليه، ليتهافتوا في الحصول على عطر يحمل اسمه وصورته، ينم عن خفة عقل، وحسن ظن بالنفس حد النرجسية، وسوء ظن بالرجال.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى