زاوية غائمة - جعفر عباس: عن الأدب وسوء الأدب

إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

زاوية غائمة - جعفر عباس: عن الأدب وسوء الأدب

مُساهمة من طرف Admin في السبت 13 أكتوبر 2018 - 6:25


زاوية غائمة
جعفر عباس


علمونا في المدارس والجامعات أن الأدب العربي مر بعصر النهضة، ثم عصر الانحطاط، ثم العصر الحديث، وجاءت هذه العصور مستقلة عما أسماها النقاد العصور الجاهلية/ صدر الإسلام/ الأموي/ العباسي، ومن الواضح أن هذه التسميات تقسم الأدب/ الشعر إلى مراحل تاريخية، وليس وفق المعايير النقدية التي صارت متعارفا عليها، ونجد تصنيفا مشابها في الأدب الإنجليزي، فهناك العصر الإليزابيثي والآخر الفيكتوري وهلمجرا.
لعدة قرون ظل قدامة بن جعفر )مات قبل أكثر من ألف عام( هو المرجعية لنقد الشعر، فيتم تقويم/ تقييم كل قصيدة في ضوء معايير النقد التي وضعها قدامة هذا في كتابه »نقد الشعر«، وبذلك صارت كل قصيدة تخالف المواصفات القياسية التي وضعها قدامة »منحطة«، ثم بأسلوب »هات م الآخر« صارت الفترة منذ نهاية العصر العباسي، وحتى سقوط الدولة العثمانية، توصف بأنها بكاملها عصر الانحطاط في الأدب، ومن أسخف التبريرات لانحطاط الشعر على مدى عدة قرون متتالية »سوء الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعيّة، حيث انتشر الفقر والمرض، والإحساس باليأس والملل!! ممّا صرف الناس عن الاشتغال بالأدب إلى مهن أخرى فكان منهم الجزّار والخبّاز والعطّار إلخ«، وإليك هذا التبرير/ التفسير المفجع: عدم تشجيع الخلفاء والحكّام وذوي الجاه للشعراء بالمنح والعطايا كما كان يفعل أسلافهم.
في سودان اليوم هناك عبارة بليغة متداولة تلخص مدى تفشي شراء الذمم، وتسيير المصالح بالرشوة: الكاش يقلل النقاش، وقد تأخر السودانيون في سكّ هذه العبارة، فقد كان الدرهم هو الملهم للشعراء الأقدمين: تدفع نمدح، وبدون كاش لن نقول إلا غزلا في نساء افتراضيات، ولك أن تتساءل: هل عانى الشعر أم النقد من الانحطاط؟
ورغم رفضي التام لتحكيم قدامة بن جعفر في شؤون الشعر والأدب )رغم أنه مؤسس علم البديع، وكان كاتبا فذا ودارسا للفلسفة والمنطق(، إلا أنني )جعفر( أتوكل على الله، وأقول نقدا في الإعلام العربي في عصرنا الراهن، مؤداه انه لم يبلغ شأواً »عاليا« في الانحطاط فحسب، بل سقط عموديا في نفس المستنقع الآسن الذي ينهل منه، وأصلا لا يوجد »أدب إعلامي«، ولكن توجد آداب إعلامية، هي عبارة عن ضوابط تواطأ عليها الإعلاميون، والتزموا بها بدرجات متفاوتة، بحسب هامش التعبير وإبداء الرأي المتاح في كل بلد، والركن الأساسي لتلك الضوابط هو حسن الأدب، لأن الإعلامي بالضرورة »معلم«، فجذر الكلمة هو »علم، يعلم، تعليما/ إعلاما«، ولارتباط كلمة »التعليم« بالمدارس، رأى رواد الصحافة العربية )وهي نواة الإعلام الحديث( اشتقاق كلمة إعلام من ذلك الجذر.
والإعلام بمفهومه الحديث صناعة غربية، وبكل لغات الغرب فإنها تعني على وجه التحديد information وجذر الكلمة inform وهي الإبلاغ، وتوصيل المعلومة/ الخبر إلخ، والإبلاغ والتبليغ أمانة ومسؤولية.
انظر ماذا وكيف كان تكليف الرسول محمد عليه السلام المؤيد بالوحي: »وما على الرسول إلا البلاغ المبين«، و»فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب« ] الرعد : 40 [، و»فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر« ]الغاشية: 21, 22[.
حامل الرسالة السماوية المكلف بتوصيلها ما عليه سوى التبليغ، مع الإبانة والتوضيح والشرح بالأدلة والبراهين، وبعد أن يتلقى العباد البلاغ يكون »المبلِّغ« قد أدى دوره كاملا، وبعدها فمن شاء فليصدق ما جاء في البلاغ، ومن شاء فلينكر، لأنه ليس عليهم بمسيطر، وأمر الحساب متروك لمصدر الرسالة /البلاغ )الخالق جلّ وعلا(.
ورسالة الإعلامي ليست في جلال وعظمة وأهمية الرسالة المحمدية، ولكنها تظل »رسالة«، يحاسب من يضطلع بها في الدنيا من قِبل الجمهور المتلقي )ثم يتم عرض كشف حسابه الختامي الإجمالي في الآخرة(.
كل ما سبق توطئة للحديث عن الحال المتردي للإعلام العربي، وخاصة في السنوات الأخيرة، ولا أتحدث هنا عن القنوات الفضائية التي تبث مواد تنقض الوضوء، بل وتوجب الغسل، ولا عن قنوات الشعوذة والدجل والتدليس، بل عن قنوات تزعم أنها تتخصص في تناول شؤون الناس العامة، ويكون تناولها بكل المقاييس الأخلاقية طامة.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى