تابعونا عبر توتير
تابعونا عبر فيس بوك

قوقل ‏+‏ ‏
شارك
2شارك
مواضيع ذات صلة

جعفر عباس - تغيّرنا كما الأجهزة ولكن للأسوأ

إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

جعفر عباس - تغيّرنا كما الأجهزة ولكن للأسوأ

 من طرف  Admin في الأحد 2 ديسمبر 2018 - 10:48

جعفر عباس - تغيّرنا كما الأجهزة ولكن للأسوأ

‏‏‏‏
مازلت في مزاج مراجعة مسارات رحلة العمر، متوقفا عن المتغيرات التي توالت في سرعة عجيبة في السنوات الأخيرة، فخلال النصف الأول من سنوات حياتي، كانت الأمور تسير على منوال شبه ثابت، وظلت الأجهزة والمعدات في البيوت والمكاتب هي، هي لعقود: الموقد الذي يعمل بالحطب أو الفحم الخشبي والآلة الكاتبة )ناقد موسيقي سوداني يسمي الأورغن الآلة الكاذبة لأنه يقوم بتوليد أصوات بقية الآلات الموسيقية، مما جعله مرغوبا فيه للمطربين الذين يودون تسجيل أغنياتهم بما دون سعر الكلفة(، والكبريت جدير بالاحترام لأنه مازال صامدا في معظم البيوت، رغم أن مدخنين كثيرين ناكري الجميل، صاروا يستخدمون الولاعة/ القداحة، التي كان استخدامها حتى قبل عشرين سنة وقفا على المدخنين الارستقراطيين، لأنها كانت باهظة الثمن وجميلة الشكل )وخصوصا ماركة رونسون(، وصمد موقد الفحم والحطب في كواليس معظم البيوت متحديا أجهزة الطبخ التي تعمل بالغاز والكهرباء والمايكروويف، لأن طعم الشواء بالفحم لا يضاهيه طعم.
أذكر أنه في سنوات الطفولة كان مألوفا في قريتنا أن ترى صبيا يحمل عودا مشتعلا من الحطب، بتكليف من أمه التي طلبت منه أن يأتي بـ»النار« من الجيران، وكانت الكثير من البيوت تحتفظ بالنار بأن تدفن قبل نومة المساء قطعة خشبية سميكة في مخلفات )رماد( نار ذلك اليوم، فتبقى القطعة محتفظة بالنار ليتم إعادة توليد طاقة تسمح بالطبخ وغلي الماء لمختلف الأغراض، وهناك مساجد في السودان متخصصة في تدريس علوم القرآن، تتقد فيها النار بلا انقطاع أو انطفاء لأكثر من قرن كامل، ولهذا رمزية أن نار القرآن لا تنطفئ، فوق أن استمرار النار متقدة يغني عن الحاجة إلى إعادة إشعالها يوما بعد يوم.
الطفرات الصناعية والتكنولوجية لم تقضِ فقط على أجهزة ومنتجات كانت ذات رواج، بل قضت أيضا على الكثير من العادات الاجتماعية الحميدة؛ ففي كثير من المجتمعات لم تعد النسوة يجتمعن في بيت الفرح أو العزاء لإعداد الطعام والشراب، ولم تعد هناك روح الألفة التي تجعل فاطمة ترسل ولدها إلى الجارة زينب ليأتي ببعض السكر والزيت، ولم يعد الناس يمشون خلف الجنازة، ويا خوفي من مجيء يوم نرسل فيه موتانا إلى محلات متخصصة في الغسيل؛ يا جماعة – لا حول ولا قوة إلا بالله- هناك من يستخسر الدموع في قريبه الميت، ويستأجر نائحات ويقوم بتزويدهم بالسيرة الذاتية )سي في( للمتوفى كي يعددوا مآثره مع التركيز على مآثر الأحياء من أقاربه الأقربين.
باسم التقدم لم نعد نعرف اسماء جيراننا، ولا نستعين بهم في الأحوال الطارئة، وقبل سنوات كان في كل حي شخص موثوق به راجح العقل يتم إبلاغه بحالات المرض والموت والولادة والزواج والختان، واليوم قد يستخدم من هو بحاجة إلى الذهاب إلى المستشفى على وجه السرعة سيارة أجرة، بدلا من الطلب من جار أن يقوم بتوصيله، وقد يأخذ الموت شخصا عزيزا لديك، وفي نفس ذلك اليوم قد تسمع مزامير الطرب في بيت الجيران، وقد لا يعني ذلك أن الجيران لا يعرفون »الأصول«، بل قد يعني أنهم لا يعرفون أنك مكلوم لأن التواصل بينكم غير قائم.
زمان، ولا أعني الزمان البعيد، كانت عواطف الحب بين الشباب تتولد في لقاءات مفتوحة: نظرات مهذبة ثم ابتسامات حييّة، ثم سمسار )غالبا واحدة من بنات العائلة( لإتمام التعارف، وكان المفترض دائما أن الاستلطاف بين ولد وبنت إذا تطور إلى حب لا بد أن ينتهي بالزواج، أما علاقات الحب في عالم اليوم فلا بد من أن تتم عبر شركات مثل »أبِل« وسامسونج، وتبدأ بـ»هههههه« ثم وجه إصبع الإبهام مرفوعا إلى أعلى ثم وجه باسم )إيموجي يا عرب وليس إيموشن(، ثم قلبان مكان العينين، ثم قبلة افتراضية، وبعدها يأتي دور ملكات الشعر والنثر، على أمل الوصول إلى مرحلة تبادل الصور، وصولا إلى مرحلة »نتقابل في كافتيريا شمس الليالي وأكون لابس قميص بيج بكاروهات.. إلخ، إلخ«، وعندما يحدث اللقاء يكون الطرفان قد استنزفا كل رصيدهما من المعلومات والأكاذيب وفي غالب الأحوال يكتشف هذا الطرف أو ذاك أن الآخر »الجاك«- لسبب لا أعرفه كان أبناء وبنات جيلي في السودان يقولون عمن يكذب انه »الجاك«.

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مواضيع ذات صلة
السابق التالي الرجوع الى أعلى الصفحة