تابعونا عبر توتير
تابعونا عبر فيس بوك
شارك
2شارك
مواضيع ذات صلة

جعفر عباس: الإدمان أشكال وألوان



اذهب الى الأسفل

جعفر عباس: الإدمان أشكال وألوان

‏في الجمعة 11 يناير 2019, 06:22


قلت هنا قبل أيام، إن تعلق الأطفال الصغار بمشاهدة ألعاب إلكترونية أو برامج تلفزيونية بعينها على مدار اليوم، ويوما بعد يوم على شاشة الهاتف الجوال أو الكمبيوتر بأشكاله المختلفة، قد يكون دليلا على معاناتهم من اضطرابات نفسية معينة، وتؤدي في كثير من الأحوال، حتى في غياب تلك الاضطرابات إلى الإدمان، ومن يدمن شيئا يكون فاقدا للإرادة إزاءه ويجد صعوبة في الإقلاع عنه، وفي كثير من البيوت هناك أناس تجاوزوا مراحل الطفولة والصبا، يمارسون يوميا وبشغف شديد ألعابا إلكترونية مع أشخاص يعيشون في مختلف القارات، ويهملون القيام بمهام الحياة الضرورية بما فيها الأكل والشرب.
وقد قام فريق من الأطباء النفسانيين في الصين، بوضع تشخيص شامل ونهائي لهذا النوع الجديد من الإدمان، الذي تسبب في انهيار العديد من الزيجات، وتفكك العائلات ورسوب الطلاب في المدارس؛ إنه إدمان الإنترنت، فالصينيون هم أكثر الشعوب استخداما للإنترنت، لدرجة أن الدخول إلى مقهى إنترنت في بعض المدن الصغيرة والقرى، حيث معظم السكان من محدودي الدخل ولا يستطيعون اقتناء أجهزة إلكترونية خاصة بهم، يتطلب الحجز المسبق أو الاشتراك السنوي، ومتوسط عدد الساعات التي يقضيها الصيني أمام شاشة الكمبيوتر تقارب الساعات السبع يوميا، وحدث في كوريا الجنوبية والصين أن أشخاصا عديدين ماتوا وهم يستخدمون الإنترنت لساعات طوال؛ بعضهم مات جوعا والبعض الآخر مات من الإجهاد، وهناك من مات بسبب هبوط في الدورة الدموية أو الجلطات، ومن ثم صارت الصين أول بلد في العالم يدرج الإنترنت في قائمة »الإدمان«.
والإدمان، حتى لو لم يكن يتعلق بأمور خطرة على الصحة والمجتمع مثل الخمر والمخدرات، مؤشر على وجود خلل ما في تكوين شخصية المدمن، فمدمن الخمر والمخدرات يتعرض لآلام ومعاناة جسدية وعضوية ونفسية هائلة وقد تكون مدمرة، عندما يحاول أن يتوقف عن تعاطيها أو لا يجد منها ما ينشد، ولكن هناك بالمقابل مدمن القمار الذي لا يعاني ولا يتألم جسديا عندما يكون محروما من المقامرة، ومع هذا فإنه لا يستطيع أن »يمسك« نفسه كلما وجد الفرصة لمزاولة الميسر، وهو مدرك في الوقت نفسه أنه يعرض نفسه للإفلاس والسجن أو -في حال خروجه رابحا- أنه سرق نقود آخرين برضاهم »الظاهري«.
في العديد من مدن الصين اليوم عيادات لمعالجة مدمني الإنترنت أشهرها المستشفى العسكري العام في بيجين )بكين سابقا(، ويقول الدكتور تاو ران المشرف على العيادة أنه عالج عشرات الآلاف واكتشف ان معظمهم يعاني سلفا من اضطرابات نفسيه وسلوكية، ويلجأون إلى الإنترنت من باب »الهروب والانسحاب« أو للتنفيس عما يدور في دواخلهم، وفي الإنترنت ألعاب يمارس المشاركون فيها العنف بصورة تضاهي الواقع، وهناك مواقع الجنس الماسوكي الافتراضي )الماسوكية هي التلذذ بتعذيب النفس(، المهم، وكما هو الحال مع الكتب ففي الإنترنت ما هو نظيف ومفيد وما هو وسخ ومدمر.
ما يطمئن في أمر إدمان الإنترنت -من وجهة نظر الدكتور تاو ران- هو أن غالبية ضحاياه قابلون للشفاء، ورغم أنني »إنترنتاوي« متعصب، إلا أنني أدرك تماما أن الإنترنت خرب بيوتا كثيرة، ليس فقط لأنه تم »قفش« طرف في علاقة زوجية يتبادل الرسائل البريئة وغير البريئة مع شخص آخر، بل لأن الزوج أو الزوجة يمضي معظم وقت الفراغ مع الإنترنت، ويهمل أمر الشريك. وكافة التقارير عن استخدام الإنترنت تشير إلى أن الرجال هم الأكثر عرضة لـ»إدمانه«، ومن ثم فمن الطبيعي أن تحس الزوجة بأن الإنترنت »ضرَّتها« أو أن الزوج يتحايل باللجوء إلى الإنترنت تفادي تبادل الحديث معها، فتحس بالتالي أنها غير مرغوب فيها، وكلمة من هنا وأخرى من هناك ويتسبب الإنترنت في إنهاء العلاقة الزوجية.. وعلى مستوى آخر فإن مدمن الإنترنت يصبح شخصا »غير اجتماعي« أي ميالا للعزلة لأنه يفضل الرفقة الافتراضية على الرفقة الواقعية مع »البشر«، وفي كثير من بيوتنا عيال يعودون من المدرسة ويلقون بالحقيبة المدرسية الكئيبة في أقرب ركن ثم يتوجهون إلى الإنترنت، وعند دعوتهم إلى الغداء يقولون: تغديت أو »سووا لي سندويتش«.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الســـابق التالــي الرجوع الى أعلى الصفحة


 

رابط فيسبوك )انسخ رابط وعنوان الخبر(