زفرات حري .. الطيب مصطفى

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

01122015

مُساهمة 

زفرات حري .. الطيب مصطفى





‏زفرات حري
الطيب مصطفى

قابلته قبل نحو عشر سنين بمدينة جدة التي كنتُ قد زرتُها في طريقي لأداء العمرة.. كان يجلس على كرسي متحرِّك فحكى لي والحسرة تملأ قلبه عن أشواقه للشهادة التي قال إنها قد تجاوزته بينما اصطفت ثلة من رفاق الجهاد في متحرك وعد المتقين بشرق الاستوائية من بينهم الشهيد الطبيب عوض عمر السماني والشهيدان مصطفى ميرغني مزمل وصلاح كبير.
تحسر أنه أُصيب بطلقات هشَّمت عظام الحوض وأقعدته عن الحركة ومنحته حياة قال إنها منقوصة لا تُتيح له مواصلة الجهاد الذي عشقه بينما حرمته من أمنيته الدائمة المتمثلة في شهادة يلقى بها ربَّه وينعم بصحبة رسوله الكريم وصحبه الأبرار وتذكَّر مجموعة من صحبه الذين سبقتهم بعض أجزاء جسمهم إلى الجنة وواصلوا ملحمة الجهاد حتى نالوا الشهادة منهم الشهيد الأمة معز عبادي ذلك الصحابي الذي يشبه شهداء أُحد.
قلتُ له مطمئناً: لكني أخالفك الرأي يا بني فإن كانت الشهادة قد تجاوزتك فإن هناك درجة أعظم من الشهادة هي مقام الصديقين الذي يعقب الرسل والأنبياء ويتقدم على الشهداء فو الله إني لا أراك وأنت تتقلب في رمضاء الصبر الجميل والبلاء العظيم بعد ذلك الجهاد الكبير.. لا أراك إلا صدِّيقاً. وأوصيتُه بالصبر حتى يبلغ تلك الدرجة التي تمنيتُها له.
بعد لقاء جدة تابعتُ من بعيد ابتلاءاته العظيمة والتي تذكِّر ببعض ما أصاب نبي الله أيوب وهو يقدِّم المثال الأعظم للصبر خاصة ما يتعلق بحياة حسن الاجتماعية المترعة بمعاني الثبات مما زاده يقيناً على يقين وأحدث نقلات أخرى في حياته الملأى بالدروس والعبر في الطريق الأحب نحو درجة الصديقية وأحسب أننا تداولنا مقولة الإمام ابن القيم وهو يستشف عبارته الذكية: )إن الصبر واليقين هما عمادا الإمامة في الدين( وذلك استنطاقًا للآية الكريمة: )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون(.
أخيراً ظفر بها وارتاح من معاناة السنين الطويلة التي بلغت 16 عاماً قضاها في كرب من الصبر الجميل عز أن يتصف به من هو في سنه.
رحم الله شهيدنا بل صدّيقنا إن شاء الله حسن السماني فقد رحل عن دنيانا وتركنا نتقلب في مستنقع السياسة الآسن بعجرها وبجرها وأخشى ما أخشاه أن يكون رحيلُه نذير شؤم على هذه البلاد التي تشهد فتناً كقطع الليل المظلم وهل تُحفظ البلاد إلا بدعاء الصالحين وبرحمة الله لهم وباستغفارهم؟.
أحسستُ بسعادة غامرة حين قرأتُ عن تشكيل لجنة مشتركة بين السُّودان ودولة جنوب السُّودان لاسترداد أملاك السُّودانيين بالجنوب.. ذلك الحُلم الذي طال انتظارُه وبدأت بشائرُه الآن بعد القفزات الكبرى في العلاقة بين الدولتين جرّاء التحوُّل الكبير في المشهد السياسي الجنوبي عقب الإطاحة بخمائر العكننة من أولاد قرنق وأولاد أبيي الذين كانوا ولا يزالون ينطلقون من نظرة عدائية استعمارية تجاه السُّودان.
لطالما كتبنا وصرخنا أنَّ مشكلة العلاقة المأزومة بين الدولتين تتمثل وتتجسَّد في باقان ودينق ألور من جانب الجنوب ورفاقهم الشيوعيين من أنصار نظريَّة مشروع السُّودان الجديد في الشمال وأعني بهم عرمان وعبد العزيز الحلو وتابعَهم مالك عقار وكنا نعلم الخلاف الكبير بين أنصار ذلك المشروع الاستعماري من لدن قرنق وأولاده في الحركة الشعبيَّة وبين سلفا كير وغيره من الوطنيين الجنوبيين لكن سلفا كير لم يحسم أمرَه إلا مؤخراً بعد أن استيقن من حقيقة أنَّه لن يتمكَّن من حكم الجنوب والسير به في طريق النهضة والتقدم ما لم يُحسِّن أو يطبِّع العلاقة مع السُّودان الذي يمر من خلاله المورد الاقتصادي الأول والوحيد المتمثل في البترول، فكان أن اتَّخذ سلفا كير قراراته الجريئة التي مكَّنت من إحداث التحوُّل الكبير في العلاقة بين الدولتين.
لعلَّ القراء الكرام لاحظوا كم كنا صائبين ونحن نتحدَّث بصورة شبه يومية عن حجر العثرة والعقبة الكؤود التي تحُول دون انفراج العلاقة بين الدولتين ولعل سلفا كير نفسه أحس بعظمة الإنجاز الذي أحدثه بإقصاء باقان ومجموعة شياطين الإنس، ولا نملك إلا أن نُعبِّر عن تقديرنا للخُطُوات التي اتخذها حتى الآن آملين أن يواصل مسيرة هدم الجُدُر السميكة والألغام الكبرى التي تحُول دون التواصل بين الدولتين الجارتين بما يحيل حالة العداء التي كانت تعوق انطلاقهما في مسار التنمية والتقدم إلى تعاون مُثمر يعود بالخير على شعبَي البلدَين.
لا أظنُّ أنَّ سلفا كير يخفى عليه أنَّ أهم تلك الجُدُر والألغام هو شبيه باقان في السُّودان وأعني به عرمان ورفاقَه الذين يعبثون، من حدود دولة الجنوب، بأمن السُّودان القومي في جنوب كردفان والنيل الأزرق ويشمل ذلك حلفاء عرمان والحلو وعقار في الجبهة الثورية وعلى الدولتين أن تضعا إستراتيجية )صادقة( تقوم على قاعدة أنَّ أمنهما لا يتجزأ وأنَّ ما يهدِّد أياً منهما ينبغي أن يُعتبر مهدِّداً للأخرى بما يمكِّن من صياغة اتفاقية دفاع مشترك أكثر قوة من العلاقة التي نشأت بين السُّودان وتشاد خلال السنوات الأخيرة.
على أنَّ ما ينبغي أن أحذِّر سلفا كير منه حرصاً على سلامته وربِّ الكعبة وهو يمضي نحو تطبيع العلاقة مع السُّودان أن يحذر الغدّار موسيفيني فليس من مصلحة أوغندا البتَّة على الأقل من الناحية الاقتصاديَّة تحسين العلاقة بين السُّودان ودولة جنوب السُّودان ذلك أنَّ أوغندا كانت هي المستفيد الأكبر من تأزُّم وتوتُّر العلاقة بين السُّودان وجنوب السُّودان خاصَّة عندما أُغلقت الحدود وتوقفت حركة التجارة بين الدولتين وأضحت أوغندا هي المعبَر الأكبر للحركة التجاريَّة مع الجنوب محققة فوائد جمة للاقتصاد الأوغندي.
أعود لما بدأتُ به فأقول إنَّ التجار الشماليين أو قل السُّودانيين لحقت بهم خسائر فادحة جراء توتر العلاقة خاصَّة بعد أحداث الإثنين الأسود التي أعقبت مصرع قرنق وأدَّت إلى نزوح أعداد كبيرة من التجار الشماليين تاركين خلفهم حصاد سنوات عمرهم وكم أشعر بالحزن عندما أرى جاري أحمد كالو يومياً في المسجد المجاور وهو يتحدَّث بحسرة عن أمواله وممتلكاته التي فقدها ولعلَّ أكثر ما يؤلم أنَّه يتوق في عمره الثمانيني أن يحصل على بعض ما فقده بعد أن أفنى زهرة شبابه في تلك الربوع بعيداً عن أهله وعشيرته فكم يا تُرى هم أمثال أحمد كالو وكم منهم من قضى نحبه والحسرة تملأ قلبه؟.
الأخبار التي رشحت على لسان بدر الدين عبد الله مدير إدارة الجنوب بوزارة الخارجية مطمئنة خاصة حديثه عن أنَّ الاتفاقيات التي وُقِّعت مؤخراً أشارت إلى ممتلكات المواطنين السُّودانيين بجنوب السُّودان بل إن نائب سفير دولة الجنوب كاونك كير تحدَّث عن استرداد فعلي لبعض الممتلكات.
على قيادة التجار السُّودانيين وأخصُّ الناشطين منهم مثل صديق كوراك ومحمد جابر المدير عقد لقاءات عامَّة يُعلَن عنها في الصحف للتجار حتى يتم التحرك بصورة منظَّمة عبر لجان تعمل مع الجهات المختصَّة وسندعم أيَّ مسعى في هذا الاتجاه، وبالله التوفيق.
ما إن غابت »الإنتباهة« حتى أخرج بعض المنبطحين أضغانهم وطفقوا يهرفون بما لا يعرفون قدحاً وذماً في توجهاتها الوطنية ظناً منهم أن »الإنتباهة« لن تعود لتكشف زيف باطلهم وعوار منطقهم ولتعري ثقافة الاستسلام التي نشروها بين قطاعات مقدَّرة من هذا الشعب الأبي العزيز حتى يستلقي على »قفاه« في انتظار سكين الجلاد الذي لن يفرق بين سكان الخرطوم عندما تجتاحها خيول المغول الجدد.
قبل أن أسترسل أرجو أن أشيد بالتوضيح الذي أدلى به الأخ عبد الرحمن أبو مدين عضو وفد التفاوض وهو يعلق على تصريح الرئيس البشير الذي غمّ على الناس حول التفاوض مع قطاع الشمال فقد رهن أبومدين الشروع في التفاوض بتغيير القطاع البغيض لاسمه العميل بما يُنهي ارتباطه بدولة الجنوب التي تحكمها الحركة الشعبية »لتحرير السودان« ومعلوم أن عبارة »قطاع الشمال« تعني أنه قطاع أو جزءٌ من كل أو من أصل هو الحركة الشعبية التي تحكم دولة جنوب السودان.
أبو مدين أضاف أن الشرط الآخر يتمثل في تخلي قطاع الشمال عن العمل على إسقاط النظام مؤكداً »أن الوفد الحكومي لن يتفاوض مع عرمان وأن المقصود بالتفاوض هم أبناء المنطقتين الذين يحملون السلاح وحتى عقار لن يتم التفاوض معه بصفته رئيساً لقطاع الشمال إنما بصفته أحد أبناء النيل الأزرق«.
وهكذا قطعت جهيزة قول كل خطيب وجاء التوضيح من وفد التفاوض الحكومي بل من أحد القيادات المهمة من أبناء المنطقتين.
لكن الأستاذ يوسف عبد المنان يأبى ذلك ويقول إن »العنصريين من منبر السلام العادل وضعوا المؤتمر الوطني تحت الابتزاز السياسي« وإنهم خوفوا قيادته من أن التفاوض مع حاملي السلاح من قطاع الشمال يفكِّك الدولة ويذهب بسلطان الحكم بعيداً عنهم« بل إن يوسف في سعيه لتسويق التفاوض مع عرمان هاجم ما سماه بشخصنة القضايا العامة مسمياً ذلك بالسلوك البدائي!!
إذن فإن تناول الأشخاص في مفهوم يوسف عبد المنان سلوك بدائي حتى لو جاء به القرآن الكريم من رب العالمين الذي »شخصن« قضية الشرك والإيمان حين رجم أبا لهب بقوله »تبت يدا أبي لهب« وبالتالي فإن شخصنتنا للقضية من خلال رجم »أبي لهب السوداني« المسمى عرمان سلوك بدائي فإذا قلنا وقال أبناء النوبة والنيل الأزرق إن عرمان ظل ولا يزال يتاجر بدمائهم كما ظل يفعل زعيمُه قرنق من قديم لأهداف لا علاقة لها بقضاياهم وإن هدفه هو مشروع السودان الجديد ينبري لنا من ينظرون تحت أقدامهم ليصمونا بالعنصريين وبدعاة الحرب وكأن عرمان وعقار والحلو كانوا يوزعون الحلوى والزهور على سكان أب كرشولا وأم روابة حينما اقتحموا المدينتين الوادعتين وروعوا وقتلوا نساءهما وأطفالهما.
أعجب والله ألا يدرك المنبطحون بعد كل الدماء التي سالت منذ أن شنَّ قرنق تمرده اللعين في عام 1983م بأن الرجل وتلاميذه لم يفكروا في يوم من الأيام في قضية جبال النوبة والنيل الأزرق بقدر ما ظلوا يوظفون مقاتلي المنطقتين في سبيل مشروعهم الاستئصالي العنصري وأعجب أن يحاضرنا المتاجرون بالقضية بالرغم من أنَّ من ضحوا بدمائهم في أتون الحرب الضروس وبسنوات عمرهم في سجون الحركة الشعبية أمثال تلفون كوكو وغيره من المعبِّرين الحقيقيين عن آلام وأوجاع أبناء النوبة.. أقول بالرغم من أن هؤلاء الباذلين أرواحهم ودماءهم هم مَن ينبغي أن يتحدثوا ويكشفوا الحقيقة.. حقيقة أن أبناء النوبة استُغفلوا من قبل قرنق وعرمان والحلو وعقار.
قطاع الشمال أيها السادة أصدر دستوره الجديد قبل أيام باسم جديد يبدو أنه تخلى فيه عن اسم »قطاع الشمال« واحتفظ باسم »الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان« وقد أُجيز دستور الحركة بعد اجتماع »المجلس القيادي القومي« المنعقد من السادس إلى التاسع من أكتوبر 2013 وقد وقَّع الدستور الفريق مالك عقار إير رئيس المجلس القيادي القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان والقائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان.
ليت من يكتبون في شأن التفاوض وأخص الأخ يوسف عبد المنان يرجعون إلى هذا الدستور الذي يؤكد على ذات الأهداف القديمة المتجددة المتمثلة في »تحرير الشعب السوداني« وفق مفهومهم العنصري البغيض الداعي لإعادة هيكلة الدولة السودانية لتصبح دولة علمانية إفريقية الانتماء وأهم من ذلك مما ظللنا نكتبه طوال السنوات الماضية فإن الوسائل التي نصَّ عليها دستورهم الجديد لتحقيق الأهداف المذكورة تقول »النضال السياسي والجماهيري السلمي والانتفاضة الشعبية والكفاح المسلح والتضامن الإقليمي والدولي والحل السلمي الشامل المتفاوض عليه والمفضي للتغيير«
أود أن أسأل الأخ يوسف عبد المنان هل قال هذا الدستور إن هدفه تحقيق مطلوبات منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق أم أن هدفه احتلال السودان جميعه بجميع الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ثم هل يجوز للمرتجفين والمذعورين أن يطلبوا التفاوض مع من يعلمون أنهم ليسوا معنيين البتة بجبال النوبة والنيل الأزرق وإنما بكل السودان؟!
بالرغم من أنَّ دولة جنوب السودان لم تتجاوز عامها الأول إلا بقليل وبالرغم من أنها سنة أولى سياسة مقارنة بدولتنا المفترض أنَّها هرمت في دروب السياسة ومنعرجاتها فإنَّ دولة الجنوب الوليدة ظلت تُلقي علينا الدروس المرة تلو الأخرى في كيفيَّة كسب معاركها الدبلوماسيَّة.
الدرس هذه المرَّة جاء من أبيي فقد أجرى دينكا نقوك استفتاء ظن الواهمون أنَّه مضروب ولا قيمة له لكنه كان ضربة معلم تناقلتها الفضائيَّات العالميَّة بشهيَّة مفتوحة..
حكومة إطفاء الحرائق »النائمة في العسل« عوَّلت على عدم اعتراف ما يُسمَّى بالمجتمع الدولي والإقليمي بما في ذلك الاتحاد الإفريقي بل وحكومة الجنوب بذلك الاستفتاء الأحادي ولكنها نسيت أنَّ مجرد إقامته يُعتبر مكسباً ونقطة لصالحها فقد ظلت وظل دينكا نقوك هم المبادرون والمهاجمون بينما ظللنا نحن على الدوام في خانة الدفاع فبالله عليكم متى منذ فجر التاريخ أحرز مدافع متمرِّس بمرماه هدفاً في مرمى خصمه؟
لا أتردَّد البتَّة في القول بملء فيَّ إن حكومة الجنوب أو بعضَ مكوِّناتها تمارس لعبة ذكيَّة في إطار معركة الفوز بالنقاط ففي حين تزعم أنها ليست طرفاً في ذلك الاستفتاء فإنها لم تقل البتَّة إنها ضده بل إن وزير إعلامها حرَّض »عديل كده« على اعتماده دليلاً على صحة مزاعم الدينكا حين قال للفضائيَّات إن دينكا نقوك يمكنهم أن يذهبوا به إلى الاتحاد الإفريقي ليُثبتوا أن أكثر من 99% من سكان أبيي جنوبيون!!
لا نريد أن ننكأ جراح التفريط في هذه القطعة الغالية من أرضنا والتي كانت إحدى الأخطاء الكارثيَّة لاتفاقيَّة نيفاشا وللقرارات المشؤومة التالية خلال الفترة الانتقالية ولنتحزم ونتلزم ونُجري استفتاء يقوم به المسيرية ولا ينبغي لأي مسؤول حكومي أن يتدخل ويصرِّح إنما يدعم »من تحت« كما ظلَّت تفعل حكومة الجنوب التي لن يصدقها عاقل أنها لم تموِّل إجراء الاستفتاء.
أقول ذلك بين يدي تصريحات غير موفقة للخير الفهيم رئيس اللجنة المشتركة لإدارية أبيي التي قال فيها إنَّ المسيرية لن يُجروا استفتاء!!
وأتساءل: لماذا يتدخل الفهيم فيما لا يعنيه وينصِّب نفسه ناطقاً باسم القبيلة؟! من حق الفهيم أن يتحدَّث معبِّراً عن الحكومة لكن ليس من حقه أن يقرِّر في شأن قبلي ذلك أنَّ حكومة الجنوب لم تتدخل وتمنع الدينكا من إجراء الاستفتاء بقدرما دعمتهم.
إنَّ ذلك يدعونا لأن نطلب من قبيلة المسيرية أن تتولى الأمر بنفسها بعيداً عن المحاور السياسية أو الحزبية وأن تكوِّن آلية أو آليات مستقلة تماماً عن الحكومة أو الأحزاب السياسية التي قد تُخضع قضية أبيي للمساومات وتجعلها محل تفاوض وتنازلات في الإطار الكلي لقضايا السودان.
لا أعني بقولي هذا أن يقتصر الأمر على المسيريَّة وكأنَّ أبيي ليست قضيَّة قوميَّة تهم أو ينبغي أن تهم الشعب السوداني كلَّه لكني أعني أن يكون المسيرية هم رأس الحربة في التصدي لقضية أبيي تماماً كما هو الحال بالنسبة للجانب الآخر فمن غير نخب دينكا نقوك يتولى كبر دعم قضيتهم في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة والمحليَّة ومن غير دينق ألور ولوكا بيونق وفرانسيس دينق يحمل همّ تبعية أبيي لدولة جنوب السُّودان؟
إنَّ الآليَّة المستقلة التي ننادي بها ينبغي أن تضم تمثيلاً لكل أطياف الشعب السُّوداني على أن تقودها شخصيات بارزة تُعبِّر عن المسيريَّة ويقع على رأس مهام تلك الآليَّة أو قل اللجنة وضع إسراتيجيَّة شاملة ذات أهداف محدَّدة أهمها الهدف الإستراتيجي المتمثل في أيلولة أبيي للسودان ويجب أن تتضمن مهام تلك الآليَّة جعل قضية أبيي هماً قومياً وطنياً يجتمع حوله الشعبُ السوداني بكامله مع الاهتمام بالبُعد الدولي والإقليمي ذلك أنَّ الجنوب يفوقنا كثيراً في هذا الجانب مستغلاً تعاطفاً دولياً وإقليمياً تسنده أمريكا وبعضُ الدول الأوربية ووجود شخصيات جنوبية نافذة مثل فرانسيس دينق.
مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ أن غابت عنكم قرائي الكرام »الإنتباهة« أكف عن السباحة في أمواجها المتلاطمة لسببين أحدهما معلوم لديكم وأخشى من أن »أشرحه« إن غصنا فيه، والثاني هو أنني أرغب في أن أتجاوز محقرات الأمور متطلعاً إلى عظائمها ذلك أن هذه الدنيا ورب الكعبة، ليست خاتمة المطاف، ولو كانت كذلك لصارعنا دونها حتى نُصرع أو نظفر بما نبتغي من لعاعتها، فهناك ما هو أهم مما يستوجب الكدح في سبيله ابتغاء دار البقاء، ورغم ذلك فالأيام دول فلننتظر ما تسفر عنه مستعينين بالصبر إن الله مع الصابرين.
أود أن أُطمئن القراء الكرام الذين شهدوا ما ألمَّ بـ »الإنتباهة« وأحاطونا بكثير من التعاطف، أننا لن نحيد عن البوصلة التي نصبناها قبلةً أمامنا، ولن ندهن أو نداهن أو نهادن في ما نراه حقاً، فالسيل كما ظللت أقول لا يرجع القهقري عندما يعترضه جبل إنما يسلك طريقاً آخر يندفع به إلى الأمام.
أحاول ابتداءً من اليوم إن شاء الله التطرق إلى أهم القضايا التي مارت بها ساحة السياسة أيام انقطاعنا عنكم، وأبدأ ببعض ما رشح من ألسنة بعض قادة التيار الإصلاحي الذين نصبوا أنفسهم معبرين عن مرجعية حزبهم الجديد قبل أن يشكلوا لجان تسييرهم، ناهيك عن إقامة مؤتمراتهم ونظامهم الأساسي، وهذا مسلك فوضوي بحق لا يليق بمن اختاروا عبارة »الإصلاح« للتعبير عن توجههم بعد أن قالوا في حزبهم القديم ما لم يقل مالك في الخمر.
العميد صلاح كرار أحد قادة الحراك الإصلاحي فاجأ الساحة السياسية بقوله: »عند الخيار بين الوطن والدين نختار الوطن«.. رصاصة قاتلة أطلقها صلاح كرار على رأس حزبه الجديد ظناً منه في عهد »الدغمسة« التي اُبتلي بها كثير من الإسلاميين، أنه يحسن صنعاً حين يقدم حزبه بثوب »عصري« جديد ناسياً أو متناسياً أن الصراع الأزلي بين الحق والباطل كان صراعاً بين الدين والشرك المتسربل بأزياء مختلفة من بينها ثوب الوطن.
أقول لصلاح كرار الذي لن أعتبر ما صدر عنه إلا زلة لسان أرجو أن يعتذر عنها: وهل هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من موطنه مكة وهي أحب البلاد إليه وفيها بيت الله العزيز إلا من أجل الدين؟ وهل هاجر أصحابه الأبرار إلى الحبشة البعيدة ثم إلى يثرب، بالجمال وليس بالطائرات، إلا فراراً بدينهم من الوطن الحبيب؟ وهل هاجر إبراهيم الخليل من موطنه العراق تاركاً والده الكافر وعشيرته إلا من أجل الدين العزيز؟ وهل هاجر موسى كليم الله من موطنه مصر إلا من أجل الدين؟ وهل كانت حركة الصالحين في كل العصور من موطن إلى آخر بمن فيهم أهل الكهف الذين لاذوا بكهفهم الضيق إلا هجرة في سبيل الدين ارضاءً لرب العالمين؟ وهل من قيمة للأرض محط الأوطان إلا بالدين؟ وهل خُلق الإنسان إلا من أجل الدين عبادةً لرب الدين؟ وهل يُكب الناس على وجوههم في النار إلا بسبب ابتعادهم عن الدين؟!
وقيادي آخر من موقعي مذكرة الحراك الإصلاحي بل هو ثالث ثلاثة من المفصولين »عديل« من المؤتمر الوطني هو فضل الله أحمد عبد الله الذي كان من قيادات الجهاد بل كان من كتيبة برنامج »في ساحات الفداء«.. فضل الله بدون أن يطرف له جفن قال بأنه يرغب في »حزب لا يرتكز على مفهوم أيديولوجي« بمعنى أنه يريد حزباً بلا مرجعية فكرية.. حزب بلا طعم ولا لون ولا رائحة!!
أرفض أن أصدق ما ذكره الأخ إسحاق فضل الله أن د. غازي قال إن حزبه لن يكون إسلامياً، كما أرفض مرة أخرى ما ذكره الأخ عبد الباقي الظافر أن غازي تهرب من الإجابة عن سؤال وجهه إليه عن موقع الشريعة الإسلامية في حزبهم الجديد، وأنه »تمترس خلف التنظير اللغوي«.. رفضي يقوم على معرفتي لغازي وثقتي المطلقة في تدينه من قديم، وبالرغم من ذلك فإن تواتر الحديث عن المواقف الجديدة لبعض قياداته أخافني ولا أزيد!!
لا أحتاج إلى تذكير قيادات الحراك الإصلاحي بأن رمزيتهم تتمثل في ارتباطهم التاريخي بالحركة الإسلامية وبالمؤتمر الوطني الذي لم يتنكر في يوم من الأيام لمرجعيته الإسلامية بالرغم من التضارب الكبير بين الشعار الجذاب والواقع المأساوي، ولذلك على الحزب الإصلاحي الجديد أن يوقف سيل تصريحات قياداته حول المرجعية، ويحدد ناطقاً رسمياً بدلاً من هذا التدمير الذاتي الذي يمارسه بعض المعبرين عنه، وهو لما يزل يتحسس مواقع أقدامه، سيما أن كثيراً من الناس يتابعون القادم الجديد بشغف على أمل أن يجدوا فيه مبتغاهم.
أعجب أنه في الوقت الذي »يتلولو« فيه بعض المنتسبين للمرجعية الإسلامية، نجد أهل الباطل من قيادات الحركة الشعبية والجبهة الثورية بعرمانها وعقارها يصرون على مشروعهم البغيض المعادي للإسلام، فها هي آخر نسخة من الدستور الانتقالي للحركة الشعبية لتحرير السودان لعام 2013م والتي يطل الشيطان مالك عقار بصورته على صدرها تنص على الآتي »الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان تنظيم سياسي وثوري يعمل لإقامة السودان الجديد الديمقراطي العلماني الموحد والقائم على العدالة والحرية والمواطنة المتساوية بلا تمييز«، ثم يقول الدستور العنصري »السودان يمثل قلب إفريقيا النابض ومصالحه القومية تحتم عليه التمسك بانتمائه الإفريقي وكعمق للعلاقات الإفريقية العربية« بمعنى أن الحركة الشعبية تعلن في تحدٍ سافر أن السودان إفريقي وعلماني ولا علاقة له بمرجعية الشريعة الإسلامية أو بأي بُعد عربي في انتمائه، بالرغم من أن شعبه كله يتحدث العربية لغة القرآن الكريم، ثم تجد هؤلاء الحاقدين يتحدثون عن الحرية والديمقراطية.. الحرية والديمقراطية التي رأينا نماذجها في أبو كرشولا.. فيا ويل السودان إن مكنا هؤلاء الأوباش من رقابنا.
أقول مخاطباً الناس جميعاً أن »يركزوا« ويثبتوا فو الله الذي لا إله إلا هو أن الإسلام عزيز في هذه البلاد أكثر من أي وقت مضى، ودونكم المساجد وأداء الشعائر الذي يكشف عن انعطاف عارم نحو الإسلام خاصة لدى الشباب، فهلاَّ تذكر أصحاب الولاء المرتجف التحذير القرآني من مجرد الشعور بالحرج مما قضى الله به ورسوله، وهلاَّ راجعوا قول ربهم: »فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا«؟!
المزيد من المقالات...
1. ما بين الحريات المنقوصة وأدبيات التظاهر
2. جبال النوبة بين عبد الباقي قَرْفَة وعبد العزيز الحلو )2 ــ 2(
3. جبال النوبة بين عبد الباقي قَرْفَة وعبد العزيز الحلو )1 ــ 2(
4. بين مصطفى عثمان وبدائل الكاروري
الصفحة 1 من 32
»البدايةالسابق1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي النهاية«
جميع الحقوق محفوظة صحيفة الانتباهة
مشاهدة النسخة الكاملة

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

زفرات حري .. الطيب مصطفى :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى