إضاءات .. طه النعمان .. نوّارة المدائن تذبُل.. ومشفاها عنواناً!

إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

10122015

مُساهمة 

إضاءات .. طه النعمان .. نوّارة المدائن تذبُل.. ومشفاها عنواناً!




.
إضاءات
طه النعمان
نوّارة المدائن تذبُل.. ومشفاها عنواناً!



٭ كوستي.. وما أدراك ما كوستي.. كانت في يوم ما نوّارة مدائن السودان.. كانت كما زهرة الخريف تشع ببسمتها الوضيئة على السودان كله.. كانت أفئدة السودانيين تهفو إليها من كل فج بعيد وقريب.. فهي ساحة للإندماج والتعايش والتسامح والمحبة المبذولة.. يجد الكل فيها سؤله ومطلوبه بلا عنت أو منٍّ أوأذى.
٭ هذه النوّارة.. التي اتخذت من ذلك التاجر اليوناني اسماً لها.. تُذبل الآن وتجف أطرافها وتذهب نضرتها.. وتتحول إلى مزبلة كبيرة يجتمع فيها البشر والحيوانات الضالة.. بحثاً عن ما يُبقي على حياة هي إلى الموت أقرب.
٭ ما أثار هذه اللواعج والذكريات الأسيفة.. هو ذلك التحقيق الصادق والمفصل الذي كتبته بحزن غامر محررة التيار ـ منى فاروق ـ عقب زيارة منكودة لمستشفى كوستي، الذي مثل في يوم ما عنواناً للتقدم في وطن يغذ السير حثيثاً بأتجاه الحداثة والتمدن في خمسينات القرن الماضي.. وهاكم قصة الطفل ذي الأربع سنوات الذي ـ هو أنا ـ في ذلك الزمن البديع.
٭ عندما كنت ألهو وأشرًّك للطير مع أترابي في قرية أم غَنِيمْ القريبة من كوستي نشبتني شوكة طُندب في كاحلي الأيسر فأخترقته، وفشلت كل المحاولات في إخراجها.. وبدأ قدمي يتورم منذراً بتفاقمه الى قرقرينة تهدد بالبتر أو الموت تسمماً.. فخاف أهلي عليّ وحملني والدي في صحبة بعض الأقارب الى مستشفى كوستي المركزي.. هناك أجريت لي عملية جراحية ببنج موضعي، لم يعفني كلياً من الإحساس ببعض الألم فبكيت قليلاً لكنني تشجعت وصبرت بفضل كلمات حانية صبها على أذنيَّ دكتور عتباني.. أسمه الأول عبد الرحمن وهو عم د. غازي صلاح الدين.. وبعدها بأيام قليلة تعافيت وعدت أركض بين أقراني وكأن شيئاً لم يكن.
٭ عقب قراءة التحقيق الفاجع للأستاذة منى فاروق، اتصلت بالأخ والزميل نصر الدين شلقامي ـ ابن كوستي البار الذي دون ذكرياته وحبه للمدينة في كتاب حمل اسمها ـ لأواسيه في ذلك المصير الذي حاق بمدينتنا.. وحكيت له قصتي مع المستشفى.. فما كان منه إلا أن استدعى حكايته الخاصة مع ذلك المشفى، وما آل إليه في هذا الزمن الأغبر.. قال أنه منذ أربع سنوات تقريباً ذهب إلى كوستي في زيارة، مصطحباً ثلاثة سفراء هم ممثلو الهند وقطر والاتحاد الأوربي في محاولة لدعم المستشفى والمدينة.. وأثناء تجوالهم في المستشفى توقف عند عنبر الجراحة، الذي وجده قد تحول الى مقصف لستات الشاي وصانعات الطعام.. فتعجب أعضاء الوفد الدبلوماسي لذلك المنظر.. فما كان من نصر الدين إلا أن خاطب السفير الهندي قائلاً: هل تصدق أنني قبل خمسين عاماً، بينما كنت في المرحلة المتوسطة، أجريت عملية زائدة دودية في ذات المكان.. وكان في غاية الروعة والنظافة والتجهيز وخرجت في كامل عافيتي بعد أيام قليلة.. فقال له السفير الهندي مندهشاً: هذا ما لا يمكن تصديقه.. فإذا بنصر الدين يرفع قميصه عن موضع العملية ويبرز أثرها.. فيزداد السفير دهشة واستغراباً.
٭ تحقيق التيار الموسع الذي احتل صفحة كاملة يمكن اختصاره في عناوينه الحاذبة والمُفصِحة: مأساة يعيشها المرضى.. تردٍ في الخدمات ونقص في الكوادر.. حَلّة مُلاح والمرافقون يتكفلون بإعداد الطعام للمرضى داخل المستشفى.. رائحة البُنْ ليست للكيف أو المزاج.. حمامات طافحة.. فوضى بالعنابر.. القطط والكلاب تلهو وتمرح وليس المشرحة استثناء.. مستشفى بطري ـ بشري.. انقطاع الكهرباء عن غرفة العمليات في غياب المولدات.. ناموسيات للمرضى والمرافقين توقياً للباعوض.. مكب النفايات الطبية بالقرب من العنابر.. والأسرة من البلاستيك وبلا مراتب.. الكارُّوهات والحمير بدل سيارات الاسعاف.
٭ وأخيراً تتساءل المحررة: النفرة التي اطلقها والي النيل الأبيض الجديد )كاشا( وجمعت المليارات من أجل صيانة وعمارة المستشفى أين ذهبت؟.. من يملك الإجابة فليتفضل!!

Admin


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى